نافذة على الوعي ( 24).. فجر التنوير

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نافذة على الوعي ( 24).. فجر التنوير, اليوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 01:22 مساءً

التنوير الذي حمله الرسول والقرآن ما كان أداءً وظيفيا موقوتا بحياة الرسول النور؛ بل هو تنوير أبدي دائم مادامت السموات والأرض والجبال بما اشتمل عليه دستور التنوير القرآني من قيم إنسانية، ظلت الإنسانية تكافح قرابة ألف وأربعمائة عام إلى أن أقرت قوانين نظرية تضمنت شذرات مما جاءت به منظومة القيم التنويرية التي حملها رسول النور والقرآن الكريم دستور التنوير.

لكن منظومة قيم التنوير التي حملها رسول النور والقرآن الكريم هي قيم تنوير حضاري تتماهى مع طبيعة وكنة الإسلام الحضاري الجامع بين القيم والعمل المُفَعِّل لها في بناء الإنسان الحضاري الفائز في معركة الاختبار الكوني
فجاءت تلك القيم ذات مُكَوِّنين:


المُكَوِّن الأول: إنساني

 

فالإنسانية هي جوهر مبادئ رسالة الإسلام في البلاغ القرآني الذي استهدف تلك الإنسانية تكريما وتوجيها ورعاية وصيانةً وأمنًا ودعمًا وعونًا. وقد يغفل الكثير منا عن الشمول الذي أحاط به البلاغ القرآني الإنسانية لفظا ومعنى واهتمامًا.
إذ وردت كلمة الإنسان بالقرآن 63 مرة إلى جانب كلمة بني آدم ست مرات وكلمة الناس 240 مرة. أما على مستوى المعنى فقد تجلَّى الاهتمام القرآني بالإنسانية في محورين:

المحور الأول: 
حدَّد فيه القرآن (الإنسانية) كإطار جامع يشمل سائر البشر عُرْبهم وعجمهم أبيضهم وأَسْودهم وسائر أعراقهم وثقافاتهم ودياناتهم، ممن يجمعهم لفظ الناس، وبنو آدم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) عندما يخاطبهم كجماعة ذات أصل بشري واحد (آدم وحواء) ومنشأ واحد من الطين.

 

وهذه الإنسانية قد خصها الله تعالى بأجلّ مهمة على الأرض وهي خلافة الله فيها لإعمارها وإقامة تشريعاته وعباداته ودستور الأخلاق الربانية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ ). وقدَّم الله لها العون الكبير على أداء تلك المهمة الجليلة بتنزيله الكتب السماوية وإرساله الأنبياء.

 
إلى جانب إمداد البشرية بالفطرة السليمة والعقول المفكرة والحواس اللازمة لاكتشاف العلوم والمعارف التي تمكن الإنسان من تسخير الكون لخدمته. قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

 

ولكي يسهِّل الله مهمة الإنسانية في إنجاز التكليف  بالخلافة والعمارة في الأرض جعل لها قاسما مشتركا يسهل عملية تقاربها وتوحدها خلف مهمتها، فكان ذلك القاسم هو الرسول الأعظم الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم المرسل بالبلاغ الإلهي التنويري الأخير في القرآن الكريم المصدِّق لكل رسائل الوحي الإلهي السابقة والمهيمن عليها: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).

 

ولكي تتسارع خطى التقارب والاتحاد الإنساني جعل الله طبيعة رسالة رسول الإنسانية وهدفها الرئيس هو الرحمة للإنسانية: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين)، فنَزَع من قلب رسول الإنسانية كل أشكال الغلظة والشدة والعنف وأودع فيه الرأفة والرحمة واللين: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

 

المحور الثاني: القيم الإنسانية التي تشكل جوهر الإنسانية وعمادها.

وقد احتشدت آيات الرحمن في القرآن بالقيم الإنسانية التي لا يصح معنى الإنسانية إلا بها، وأهمُّ تلك القيم:
١- الكرامة الإنسانية وتكريم الإنسان
هي أهم قيم الإنسانية التي وهبها الله للإنسان فأصبحت حقا أصيلا له لأنه قد وُلد بها عندما كرَّمه الله قبل مولده فأسجَدَ الملائكة لأبيه آدم  : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ)، وذلك بعد أن خلقه الله سبحانه بيده، ونفخ فيه من رُوحه.

ولذلك جاء إعلان كرامة الإنسان وتكريم الإنسانية بالقرآن مدوِّيا حاسما دون لَبْسٍ أو قيد أو شرط أو استثناء: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).

 

2- الحرية 
وهي حرية شاملة في الحياة والحركة والفكر والعمل، وفي المقدمة تأتي حرية التدين والاعتقاد:
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فلا إجبار على فكر أو اعتقاد أو ملة أو مذهبية: (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).

 

3- المساواة 
فكل البشر أخوة أشقاء من أب واحد (آدم)  وأم واحدة(حواء)، فلا تفاضل بينهم على أساس من لون أو جنس أو عرق أو لغة، بل وجه التفاضل هو تقوى الله  ومخافته: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

وكذلك التفاضل يكون بينهم في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

 

4- التعاون 
لأن التعاون هو أحد ركائز المجتمعات الناجحة وأداة تحقيق التوازن والتنمية المستدامة وطموح الرفاهية وتعزيز العلاقات الاجتماعية والتكامل الاقتصادي الذي لا يتم إلا بالتعاون الجماعي، وليس بجهد الفرد الواحد. لذلك جاء الأمر القرآني بهذه القيمة على سبيل الإلزام والوجوب وليس الاختيار والجواز. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

 

5- العدل والإحسان 
وقد حرص القرآن على تكريس العمل بالإحسان ليس بوصف الإحسان فضلا ومنةً وتفضلا بل بوصفه واجبا يفرضه العدل والإنصاف؛ لذلك جاء الأمر القرآني بالإحسان مقرونا بالأمر بتحقيق العدل وتاليًا له: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرون).

ويأتي الأمر بالإحسان أولا للوالدين أصحاب الحق الأول في الإحسان العام والخاص ثم لعموم الناس دون تفرقة فالإحسان حق واجب للجميع على كل الأحوال للقادر على العمل ولغير القادر على العمل يجب عليه الإحسان في بالقول: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).

 

6- التكافل 
وهو أكثر القيم الإنسانية تضامنا مع الإنسان فعلا وشعورا وتعاطفا. وقد وجَّه البلاغ القرآني رسول الإنسانية إلى مراعاة تعميم التكافل وتوجيهه ليشمل كافة درجات الإنسانية بدءًا من الوالدين أولى الناس مرورا بذات القربى وانتهاء إلى الأغراب من الجيران في المسكن أو الوطن والمحتاجين في أرجاء الكون والمعمورة: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ).

 

وهذا التضامن الإنساني عملي بالإنفاق من المال العام والخاص للإنسان، وقد أوجب القرآن على رسول الإنسانية أن يضع هذا التضامن موضع التنفيذ بنفسه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). بأن يأخذ زكاة أموال القادرين وصدقاتهم لينفقها على غير القادرين لتكوين المجتمعات المتكافلة ماديا وشعوريا.

المُكَوِّن الثاني: عقليٌّ

العقل  محور مركزي في منظومة القرآن التنويرية لبناء الإنسان وإعادته إلى جوهر الشخصية السوية البنَّاءة التي خلقه الله عليها. ولأن الهدف سامٍ والغاية نبيلة والمهمة جسيمة فقد جاءت المنظومة متضمنة مرتكزات ثلاثة:


1- التحذير من مخاطر التقليد والانقياد الأعمى التي تجلب المذمة والندامة: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا)، (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ).


2- توجيه الأنظار وحث الهمم للإسراع إلى الاستجابة لداعي الله بالتزام التفكر والتفكير كفريضة قرآنية كما قال العقاد: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).


3- رسم خارطة طريق للوصول للشخصية الإنسانية القادرة من خلال التوجيه والمنهاجية القرآنية وبقيم القرآن وآدابه واخلاقه، القادرة على القيام بعمارة الأرض وخلافة الله فيها وعبادته حق العبادة كما أراد سبحانه.

فلم يكن الإسلام يومًا دينَ شعائر جامدةٍ ولا ألفاظٍ تُتلى على اللسان دون أن تمسّ شغاف القلب والعقل، بل جاء رسالةً للإنسان العاقل، يخاطب فكره ويوقظ وعيه ويستنفر طاقاته، كي يتفاعل مع الوحي تفاعل الحياة مع النور.

 

ومن هنا كانت فريضةُ التفكير والتنوير في كتاب الله ليست نافلةً من القول ولا ترفًا فكريًا، بل هي أصلٌ من أصول الإيمان، وركنٌ في بناء الشخصية القرآنية التي يريدها الله خليفةً في أرضه. يقول تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

فجعل الله التدبرَ معيارَ حياة القلب، ودليلَ انفتاحه على الهداية. فالعقل الذي لا يتدبر آيات الله عقلٌ مغلول، والقلب الذي لا يتفكر في كلام ربه قلبٌ عليه أقفال الغفلة والهوى.

لقد أراد القرآن للإنسان أن يكون مفكِّرًا متدبِّرًا قبل أن يكون مقلِّدًا أو تابعًا. فالعقل في المنهج القرآني ليس زينةً للإنسان، بل هو آلة التكليف، وميزان الفهم، وسُلَّم الوصول إلى الإيمان الحق. ومن ثمّ تكررت في كتاب الله آياتُ الدعوة إلى النظر والاعتبار والتفكر: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).

 

وكل هذه الآيات  تؤكد أن الإيمان بلا تفكرٍ جسدٌ بلا روح، وأن الدين بلا تدبرٍ قشرةٌ بلا لبّ. والتفكر في القرآن لا يعني الوقوف عند ظواهر الألفاظ أو ترديد العبارات، بل يعني الغوص في أعماق المعاني، واستحضار مراد الله منها في واقع الإنسان وحركته في الحياة.

فالمستنير الحقّ هو من يجعل القرآن مرآةً يرى فيها نفسه ومجتمعه، ويهتدي بنوره في ظلمات الواقع، حتى يصير القرآن له منهجَ سلوكٍ، ومصدرَ قيمٍ، ومقياسَ ضميرٍ.


فكلما غاص المستنير الحضاري في التنوير القرآني كتاب ازداد صفاءً في قلبه، وسموًّا في سلوكه، وتحررًا من أهوائه، لأنه يتشرب من مَعين الهداية الإلهية ما يجعله يعيش بروحٍ قرآنيةٍ رفيعة، تُترجم الإيمان إلى عمل، والعبادة إلى أخلاق، والعقيدة إلى سلوك.

إن التنوير في القرآن هو المنقذ من سطوة التقليد، هو المانح حرية الوعي وسلامة الفكر؛ القادر على بناء الشخصية الحضارية المسؤولة ذات البصيرةٍ والحكمة النافذة. وقد جعل القرآن ذلك غاية الهداية التنويرية به: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

وما أحوج الأمة اليوم وهي تحتفي بمولد النور وفَجْر التنوير إلى حتمية بعث هذه الفريضة الغائبة، فكرًا وتربيةً ومنهجًا، لتنهض من جديد بعقلٍ مستنيرٍ نحو الإسلام الحضاري رسالةَ الوعي والبناء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق