عاد ملف تعديل الدستور المصري إلى الواجهة بعد تصريحات النائب مصطفى بكري التي طرح خلالها فكرة إعداد دستور جديد أو تعديل الدستور الحالي، بما يتيح - وفقًا لما أعلنه - فتح المجال أمام استمرار الرئيس عبدالفتاح السيسي في استكمال مشروع بناء الدولة.
التسلسل التاريخي للتغييرات الدستورية في مصر
هذا الطرح يعيد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من التغييرات الدستورية التي شهدتها مصر؛ إذ لم يقتصر الأمر على إصدار دساتير جديدة، بل امتد إلى إلغاء دساتير وتعطيل العمل بها، وإصدار إعلانات دستورية مؤقتة، فضلًا عن إدخال تعديلات جوهرية على مواد دستورية تتعلق بنظام الحكم ومدد الرئاسة وصلاحيات السلطات المختلفة.
دستور 1882.. أول دستور مصري بالمعنى الحديث
تعود البداية الدستورية الحديثة في مصر إلى عام 1882، في عهد الخديوي توفيق، عندما صدر القانون الأساسي الذي وضع إطارًا لنظام نيابي، وجعل الوزارة مسؤولة أمام مجلس النواب، ومنح المجلس اختصاصات تشريعية ورقابية.
وجاءت المطالب بوضع دستور في سياق الحركة الوطنية والثورة العرابية، التي طالبت بإصلاح نظام الحكم وتوسيع المشاركة النيابية والحد من استبداد السلطة.
ولم يستمر العمل بهذا الدستور طويلًا؛ إذ أدى الاحتلال البريطاني لمصر في سبتمبر 1882 إلى إنهاء التجربة الدستورية، وتراجع الحياة النيابية، ثم صدر القانون النظامي عام 1883 لتنظيم مجلس شورى القوانين، بصلاحيات محدودة مقارنة بمجلس النواب السابق.
دستور 1923.. تأسيس الحياة النيابية بعد ثورة 1919
صدر دستور 1923 في أبريل من العام نفسه، في عهد الملك فؤاد الأول، عقب تصريح 28 فبراير 1922 الذي اعترف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، مع احتفاظ بريطانيا بتحفظات تتعلق بمصالحها.
وجاء الدستور استجابة للمطالب الوطنية التي تصاعدت بعد ثورة 1919، والتي طالبت بالاستقلال وإقامة نظام نيابي وديمقراطي.
دستور 1930.. إلغاء دستور 1923 وتوسيع سلطات الملك
في 22 أكتوبر 1930، صدر دستور جديد بطلب من الملك فؤاد الأول، برعاية رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا، ليحل محل دستور 1923.
وجاء ذلك في ظل صراع سياسي بين القصر وحزب الوفد، وتوتر العلاقة بين الملك والوزارة والحياة النيابية، بعدما تولى إسماعيل صدقي رئاسة الحكومة عقب إقالة حكومة مصطفى النحاس.
واتجه دستور 1930 إلى تقليص بعض مظاهر الحياة البرلمانية التي أقرها دستور 1923، وتوسيع سلطات الملك، وإضعاف دور البرلمان والأحزاب في إدارة شؤون الحكم.
إلغاء دستور 1930 والعودة إلى دستور 1923
لم يستمر دستور 1930 سوى خمس سنوات تقريبًا؛ إذ تصاعدت المعارضة السياسية والشعبية ضده، واندلعت احتجاجات واسعة للمطالبة بعودة الحياة الدستورية التي أقرها دستور 1923.
وفي 12 ديسمبر 1935، صدر الأمر الملكي بإلغاء دستور 1930 وإعادة العمل بدستور 1923، لتعود البلاد إلى النظام الدستوري السابق.
إلغاء دستور 1923 وإعلان دستور مؤقت
عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، دخلت مصر مرحلة انتقالية شهدت تغييرات جذرية في نظام الحكم.
وفي 10 ديسمبر 1952، أُعلن إلغاء دستور 1923، وشُكلت لجنة لإعداد دستور جديد، ثم صدر إعلان دستوري مؤقت في 10 فبراير 1953، لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
وفي 18 يونيو 1953، صدر إعلان دستوري آخر ألغى الملكية وأعلن قيام الجمهورية، وتولى اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية، وذلك بناء على قيادة حركة الجيش ومجلس قيادة الثورة، بقيادة اللواء محمد نجيب في تلك المرحلة.
وبالفعل تم إلغاء دستور 1923، وصدر إعلان دستوري مؤقت عام 1953، ثم أُعلنت الجمهورية في 18 يونيو من العام نفسه.
دستور 1956.. تأسيس النظام الجمهوري في إطار دستوري جديد
في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وبناء على طلب منه ومن وقيادة الثورة، صدر دستور 1956 ليضع إطارًا دستوريًا جديدًا للدولة المصرية بعد ثورة يوليو وإلغاء النظام الملكي.
وجاء الدستور بعد مرحلة انتقالية استمرت منذ قيام الثورة، بهدف تنظيم مؤسسات الدولة وتحديد شكل النظام الجمهوري، وإقرار المبادئ التي أعلنتها الثورة.
وأُقر الدستور في استفتاء شعبي جرى في 23 يونيو 1956، بالتزامن مع الاستفتاء على اختيار جمال عبدالناصر رئيسًا للجمهورية.
دستور 1958.. دستور الوحدة المصرية السورية
عقب إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة، نتيجة الوحدة بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958، طالب الرئيس جمال عبدالناصر وقيادة الجمهورية العربية المتحدة، بدستور لتنظيم نظام الحكم في الدولة الجديدة.
وأُعلن الدستور في 5 مارس 1958، ونُشر رسميًا في 13 مارس من العام نفسه، وجاء إصدار دستور الوحدة بعد انتهاء العمل بالإطارين الدستوريين السابقين في مصر وسوريا، والحاجة إلى وثيقة دستورية تنظم إدارة الدولة الموحدة، وتحدد صلاحيات رئيس الجمهورية والسلطات التشريعية والتنفيذية.
إعلان 1962.. تنظيم سلطات الدولة بعد انفصال سوريا
بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة في سبتمبر 1961، واجهت مصر واقعًا سياسيًا ودستوريًا جديدًا، ما استدعى إعادة تنظيم سلطات الدولة.
وفي 27 سبتمبر 1962، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر إعلانًا دستوريًا بشأن التنظيم السياسي لسلطات الدولة العليا، وذلك لمعالجة الأوضاع التي ترتبت على انفصال سوريا، وتنظيم السلطات السياسية في مصر خلال المرحلة التالية لانتهاء تجربة الوحدة.
دستور 1964.. دستور مؤقت بعد انفصال سوريا
في 24 مارس 1964، أصدر الرئيس جمال عبدالناصر دستورًا مؤقتًا جديدًا لمصر، وبدأ العمل به في 25 مارس من العام نفسه.
وجاء الدستور بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، ليحل محل الإطار الدستوري السابق، وينظم مؤسسات الدولة والسلطات العامة في مصر.، وكان من المفترض أن يكون دستورًا مؤقتًا لحين وضع دستور دائم، لكنه استمر في العمل حتى صدور دستور 1971.
دستور 1971.. أنور السادات يطلب دستورًا دائمًا
في 20 مايو 1971، دعا الرئيس أنور السادات مجلس الأمة إلى إعداد مشروع دستور دائم للبلاد، بدلًا من دستور 1964 المؤقت.
وجاءت الدعوة في أعقاب مرحلة سياسية انتقالية بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، وفي ظل رغبة السادات في وضع إطار دستوري جديد ينظم مؤسسات الدولة ويؤسس لمرحلة سياسية مختلفة.
وأُقر الدستور في استفتاء شعبي يوم 11 سبتمبر 1971، ليصبح دستورًا دائمًا لجمهورية مصر العربية.
تعديلات الدستور 1980.. تغيير المادة 77 والمادة الثانية
في عام 1980، أُدخلت تعديلات على دستور 1971 في عهد الرئيس أنور السادات، وشملت عددًا من المواد، من أبرزها المادة 77 المتعلقة بمدة رئاسة الجمهورية، والمادة الثانية المتعلقة بمصدر التشريع.
ففي المادة 77، استُبدلت عبارة «يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة أخرى» بعبارة «يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى»، وهو ما أتاح إعادة انتخاب الرئيس لمدد متتالية دون حد أقصى.
كما عُدلت المادة الثانية لتصبح: «مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، بدلًا من النص السابق الذي كان يعتبرها «مصدرًا رئيسيًا» للتشريع.
وعُرضت التعديلات على استفتاء شعبي في 22 مايو 1980، وأُقرت.
تعديلات 2005.. تغيير طريقة انتخاب رئيس الجمهورية
في 26 فبراير 2005، أعلن الرئيس الأسبق حسني مبارك مبادرة لتعديل المادة 76 من دستور 1971، بحيث يجري انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري المباشر بين أكثر من مرشح، بدلًا من نظام الاستفتاء على مرشح واحد يختاره مجلس الشعب.
وجاءت المبادرة وسط مطالبات سياسية وشعبية بتوسيع المنافسة في الانتخابات الرئاسية، وتصاعد الضغوط من قوى المعارضة والحركات السياسية، ومن بينها حركة كفاية.
ووافق مجلس الشعب على التعديل في مايو 2005، ثم عُرض على استفتاء شعبي في 25 مايو من العام نفسه، وأُعلن إقراره.
تعديلات 2007.. تعديل 34 مادة من دستور 1971
في مارس 2007، شهد دستور 1971 حزمة واسعة من التعديلات شملت 34 مادة، بناءً على مبادرة الرئيس حسني مبارك والحزب الوطني الحاكم آنذاك.
وقالت الحكومة والحزب الوطني إن الهدف من التعديلات هو تطوير النظام السياسي وتحديث آليات الحكم وتعزيز دور الأحزاب، بينما أثارت التعديلات انتقادات من قوى المعارضة بسبب ما اعتبرته تقليصًا لبعض الضمانات الدستورية والحقوق السياسية.
وشملت التعديلات تغييرات في مواد تتعلق بالنظام الاقتصادي والسياسي، والانتخابات، والإشراف القضائي، وصلاحيات رئيس الجمهورية، إلى جانب إلغاء الإشارة إلى النظام الاشتراكي، وإضافة نصوص تتعلق بمكافحة الإرهاب.
تعديلات مارس 2011.. الاستجابة لمطالب ثورة يناير
عقب ثورة 25 يناير وتنحي مبارك في 11 فبراير 2011، تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، وبدأت مرحلة انتقالية شهدت مطالب بإعادة تنظيم الحياة السياسية والدستورية.
وشكل المجلس لجنة برئاسة المستشار طارق البشري لإعداد تعديلات دستورية، شملت تسع مواد من دستور 1971، إلى جانب مادة تتعلق بالإشراف على الانتخابات.
وتضمنت التعديلات وضع قيود على مدد الرئاسة، وتيسير شروط الترشح، وإعادة الإشراف القضائي على الانتخابات، وتعديل بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، وإلغاء المادة 179 المتعلقة بمكافحة الإرهاب.
وطُرحت التعديلات للاستفتاء الشعبي في 19 مارس 2011، ووافق عليها 77.2% من المشاركين تقريبًا.
إعلان دستوري جديد في مارس 2011
بعد إقرار تعديلات مارس 2011، لم يستمر العمل بدستور 1971 بصورته المعدلة طويلًا؛ إذ أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 30 مارس 2011 إعلانًا دستوريًا مؤقتًا مكونًا من 62 مادة، لتنظيم إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
وبذلك انتقلت مصر من العمل بدستور 1971 إلى إطار دستوري مؤقت، تضمن القواعد المنظمة للسلطات العامة والمرحلة الانتقالية، ومهد لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
دستور 2012.. دستور جديد في عهد محمد مرسي
بعد انتخاب الرئيس الراحل محمد مرسي، جرى تشكيل جمعية تأسيسية لإعداد دستور جديد للبلاد، في أعقاب ثورة 25 يناير وانتهاء العمل بدستور 1971.
وأقرت الجمعية التأسيسية مشروع الدستور في نوفمبر 2012، ثم عُرض على استفتاء شعبي على مرحلتين خلال ديسمبر من العام نفسه.
وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات في 25 ديسمبر 2012 موافقة 63.8% من المشاركين على الدستور، مقابل رفض 36.2%.
وجاء الدستور بهدف إعادة تنظيم سلطات الدولة، ووضع إطار دستوري جديد بعد المرحلة الانتقالية، لكنه أثار خلافات سياسية واسعة بين مؤيديه ومعارضيه بشأن طريقة إعداده وعدد من مواده.
3 يوليو 2013.. تعطيل دستور 2012
في 3 يوليو 2013، أعلن وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبدالفتاح السيسي تعطيل العمل بدستور 2012، ضمن بيان عزل الرئيس محمد مرسي وإعلان خارطة طريق سياسية جديدة.
وتضمن البيان تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور رئاسة البلاد مؤقتًا، إلى جانب إجراءات أخرى تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية.
وفي 8 يوليو 2013، أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور إعلانًا دستوريًا مكونًا من 33 مادة، لتنظيم سلطات الدولة خلال الفترة الانتقالية، ووضع جدول زمني لإعداد تعديلات دستورية وإجراء الانتخابات.
دستور 2014.. إلغاء دستور 2012 وإقرار وثيقة جديدة
في أعقاب 30 يونيو 2013، وضمن خارطة الطريق التي أعلنت في يوليو 2013 بدأت إجراءات إعداد دستور جديد وفق خارطة الطريق التي أُعلنت في يوليو من العام نفسه.
وشُكلت لجنة الخمسين لإعداد مشروع الدستور، بعد لجنة الخبراء المعروفة بلجنة العشرة، وانتهت اللجنة من إعداد مشروع دستور جديد حل محل دستور 2012.
وعُرض المشروع على استفتاء شعبي يومي 14 و15 يناير 2014، وأعلنت النتيجة موافقة نحو 98.1% من المشاركين، ووقعه الرئيس المؤقت عدلي منصور.
وجاء دستور 2014 متضمنًا تنظيمًا جديدًا للسلطات العامة، ونصوصًا تتعلق بالحقوق والحريات، والعلاقة بين مؤسسات الدولة.
تعديلات 2019.. تغيير مدة الرئاسة وإضافة مجلس الشيوخ
في فبراير 2019، تقدم خُمس أعضاء مجلس النواب بطلب لتعديل عدد من مواد دستور 2014، وقاد المبادرة ائتلاف دعم مصر، الذي كان يرأسه النائب عبدالهادي القصبي.
ووافق مجلس النواب في 14 فبراير 2019 على مبدأ تعديل الدستور، ثم وافق في 16 أبريل على الصياغة النهائية للتعديلات، بأغلبية 531 عضوًا من أصل 554 حضروا الجلسة.
وعُرضت التعديلات على استفتاء شعبي خلال أبريل 2019، وأعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات في 23 أبريل موافقة 88.83% من الأصوات الصحيحة عليها.
وجاءت أبرز التعديلات، في المادة 140 بزيادة مدة الفترة الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات، مع الإبقاء على حد أقصى لفترتين رئاسيتين متتاليتين.
مشادة بين مصطفى بكري وعمرو أديب بسبب تعديل الدستور وانتخابات الرئاسة.. ماذا حدث؟
الكهرباء تواصل إجراءات التيسير على مستخدمي العدادات الكودية
من فايدة كامل إلى مصطفى بكري.. نواب طالبوا بتعديل الدستور المصري
- من فايدة كامل إلى مصطفى بكري.. نواب طالبوا بتعديل الدستور المصري
- المصرى الديمقراطى: نوافق على إلغاء المادة 25 بقانون جامعة كيان بعد اعتراض الرئيس
- هل توجد شبهة عدم دستورية في شروط الترشح الجديدة؟.. فقيه دستوري يوضح
- ما المادة 200 في الدستور التي أصر السيسي على إضافتها لتحصين الدولة؟
- اللجنة البرلمانية الخاصة توافق على حذف المادة 25 من قانون جامعة كيان






