لا تحسدوهم… فهم يحترقون!

منذ 43 دقيقة

حين ننظر إلى المجتمعات المتقدمة، نرى ما يثير الإعجاب: قطارات تصل في موعدها، مستشفيات متطورة، جامعات عريقة، شركات عملاقة، ذكاء اصطناعي، مصانع مؤتمتة، مدن منظمة، وخدمات يمكن إنجازها بضغطة زر. ومن السهل أمام هذه الصورة أن نسأل: لماذا لم نصل نحن إلى هناك بعد؟

لكن هناك سؤالاً آخر أقل شيوعاً، وربما أكثر أهمية: ما قيمة أن يتقدم كل شيء حول الإنسان، إذا كان الإنسان نفسه يدفع الثمن من أعصابه ووقته وحياته؟
هذه ليست دعوة إلى ازدراء التقدم، ولا إلى تمجيد التخلف والفقر، فالفقر ليس فضيلة، والفوضى ليست حياة إنسانية أفضل. لكن التقدم الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاقتصاد وسرعة الإنترنت وعدد براءات الاختراع، بل بالسؤال الأبسط: هل جعل كل ذلك الإنسان أكثر حرية وراحة، أم جعله أكثر كفاءة في خدمة آلة لا تتوقف؟
إحدى العلامات المثيرة للقلق هي ظاهرة الاحتراق الوظيفي، Burnout. التي باتت تجتاح الغرب.
ومن المهم هنا الدقة. منظمة الصحة العالمية لا تصنف الاحتراق الوظيفي مرضاً طبياً مستقلاً، بل «ظاهرة مهنية» ناتجة عن ضغط مزمن قاتل في مكان العمل. وتحدد له ثلاثة أبعاد أساسية: استنزاف الطاقة والإرهاق، تزايد المسافة النفسية عن العمل وما يصاحبها من سلبية أو تهكم، ثم تراجع الشعور بالكفاءة المهنية (
أي أننا نتحدث عن إنسان قد يستيقظ صباحاً، يرتدي ملابسه، يذهب إلى عمله، ينجز واجباته، وربما يبتسم لزملائه، بينما يشعر في داخله أنه يفرغ ويموت ببطء.
والأرقام تكشف أن المسألة أبعد من حالات فردية متناثرة. تقرير Gallup العالمي لعام 2026 وجد أن 50 في المئة في الولايات المتحدة وكندا، مقابل 39 في المئة في أوروبا يحترقون ببطء.
كما تشير أحدث بيانات منظمة الصحة الدولية إلى أن نسبة هائلة من البالغين في سن العمل يعيشون مع اضطراب نفسي رهيب.
المفارقة هنا مذهلة. لقد اخترع الإنسان التكنولوجيا لكي توفر له الوقت، ثم انتهى به الأمر إلى عالم يعمل فيه في كل وقت.
كان المكتب قديماً مكاناً نذهب إليه ثم نغادره. أما اليوم فالمكتب يسكن جيبك. البريد الإلكتروني معك، ورسائل المدير معك، واجتماعات الفيديو تستطيع اللحاق بك إلى غرفة نومك، والهاتف الذي كان يفترض أن يمنحك الحرية أصبح بوابة يستطيع العمل من خلالها الوصول إليك في أي لحظة.

 التقدم الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل بالسؤال الأبسط: هل جعل كل ذلك الإنسان أكثر حرية وراحة، أم جعله أكثر كفاءة في خدمة آلة لا تتوقف؟

وتشير المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف المعيشة والعمل، Eurofound، إلى أن كثافة العمل والتداخل بين العمل والحياة الخاصة من أكثر المخاطر النفسية والاجتماعية انتشاراً بين العاملين في الاتحاد الأوروبي. كما وجدت بياناتها أن العمل عالي الكثافة والعمل خلال الوقت الحر أصبحا شائعين بين قطاعات واسعة من الموظفين، وأن الرقمنة والعمل عن بعد، رغم فوائدهما الواضحة، قد يسهمان أيضاً في تكثيف العمل وطمس الحدود بين الحياة المهنية والشخصية.
هنا تصبح كلمات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، المكتوبة قبل نحو قرن ونصف، مخيفة في راهنيتها. كتب في كتابه إنساني، مفرط في إنسانيته، في الشذرة رقم 283، أن من لا يملك ثلثي يومه لنفسه هو عبد، مهما كان موقعه، رجل دولة أو رجل أعمال أو موظفاً أو عالماً (كان نيتشه يتحدث قبل الهاتف الذكي، وقبل البريد الإلكتروني، وقبل الاجتماعات الافتراضية، وقبل أن تستطيع شركة أن تصل إلى موظفها وهو جالس مع أطفاله على مائدة العشاء. فماذا كان سيقول اليوم؟
ربما تكون «العبودية الحديثة» عبارة قوية أكثر مما ينبغي إذا أخذناها بمعناها الحرفي، لأن العامل في المجتمعات الحديثة يتمتع بحقوق وحريات لا يمكن مقارنتها تاريخياً بالعبودية. لكن العبارة تلتقط شيئاً حقيقياً إذا استُخدمت مجازاً: أن يفقد الإنسان السيادة على وقته وهو يظن أنه حر. يعمل ليشتري بيتاً لا يجلس فيه إلا قليلاً. يشتري سيارة أفضل لكي يصل بها إلى العمل. يشتري هاتفاً أسرع لكي ينجز عملاً أكثر. ينتظر عطلة قصيرة طوال العام لكي يستعيد خلالها قدرته على العودة إلى العمل من جديد. ثم يسمى كل ذلك «نجاحاً».
لكن من الإنصاف أيضاً ألا نجعل الغرب شماعة سهلة. فالاحتراق الوظيفي ليس مرضاً غربياً، وضغوط العمل وعدم الأمان الوظيفي والأجور غير الكافية موجودة في مجتمعات كثيرة، وأحياناً بصورة أقسى. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتعلمها بدلاً من مجرد أن «نحسدهم» أو «لا نحسدهم». نحن بحاجة إلى التكنولوجيا، وإلى الصناعة، وإلى البحث العلمي، وإلى المؤسسات الفعالة، وإلى كل ما صنع ازدهار المجتمعات المتقدمة. لكننا لسنا مضطرين إلى استيراد أمراض نموذج الحياة نفسه معها. يمكن أن نبني اقتصاداً قوياً من دون أن يصبح الإنسان وقوداً له. يمكن أن نرفع الإنتاجية من دون تقديس الانشغال. يمكن أن نستخدم التكنولوجيا لكي توفر للإنسان وقتاً، لا لكي تستولي على ما تبقى منه. فالنجاح الحقيقي ليس أن يصبح الإنسان أكثر إنتاجاً فقط، بل أن يبقى بعد الإنتاج إنساناً: لديه وقت لأطفاله، ولزوجته، ولوالديه، ولأصدقائه، ولجسده، ولروحه، وللكتاب، وللمشي، وللسكون، ولأن يجلس أحياناً بلا هدف ولا شاشة ولا موعد.
ربما أخطأنا حين جعلنا السؤال: كم تنتج في الساعة؟ السؤال الأكثر إنسانية هو: كم بقي من حياتك بعد أن تنتهي من الإنتاج؟ لأن الحضارة التي تصنع آلات أسرع، ومبانٍ أعلى، وشركات أغنى، لكنها تجعل الإنسان أكثر إنهاكاً وأقل امتلاكاً لوقته، تحتاج إلى مراجعة تعريفها للتقدم. فليس كل من يعيش في مجتمع أكثر تقدماً يعيش حياة أكثر غنى. وليس الفقير دائماً من يملك مالاً أقل.
قد يكون أفقر الناس هو ذلك الذي يملك كل شيء، إلا وقته. قد يبدو مترفاً، لكنه محترق من الداخل، مستنزف تماماً. صحيح أن كل شيء يتقدم في العالم المتقدم، لكن الإنسان يحترق.

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

✎

فريق تحرير مصراوي إف إم

فريق التحرير في مصراوي إف إم — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق