ثمة زياراتٌ تُقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها الرئيس، وأخرى لا يمكن فهم معناها إلا بقياس المسافة التي قطعتها الدولة حتى أصبح وصول رئيسها إلى ذلك المكان ممكناً.
وزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة هذه الأيام تنتمي، في تقديري، إلى النوع الثاني.
فالرئيس السوري موجود في نيويورك للمرة الثانية خلال عام، ليلقي كلمة سوريا أمام الجمعية العامة، ويلتقي قادة ومسؤولين وأبناء الجالية السورية. وقد تبدو هذه، في لغة العلاقات الدولية، زيارة رئاسية طبيعية. لكن كلمة «طبيعية» نفسها هي التي تستحق التأمل هنا؛ لأن واحداً من أكبر التحولات التي جرت في سوريا خلال العامين الماضيين هو أن أشياء كانت تبدو أقرب إلى الخيال السياسي بدأت تتحول، بسرعة مدهشة، إلى وقائع عادية.
فقبل أقل من عامين، كانت سوريا بلداً خرج لتوه من واحدة من أطول مآسي هذا القرن. دولة ممزقة، واقتصاد منهك، وعقوبات تحاصر حركتها، وجغرافيا تتقاطع فوقها جيوش ومشاريع الآخرين، وملايين السوريين موزعون بين المنافي والمخيمات والداخل المنهك.
ولذلك كان السؤال الأول بعد التحرير بسيطاً وهائلاً في الوقت نفسه: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تعيش؟
ثم بدأت الأسئلة تتغير. هل تستطيع توحيد الدولة؟ هل تستطيع إعادة بناء مؤسساتها؟ هل يقبل العالم التعامل معها؟ هل تُرفع العقوبات؟ هل يعود الاستثمار؟ هل تستعيد موقعها العربي والدولي؟ وهل تستطيع تحويل انتصار عسكري وسياسي مذهل إلى مشروع دولة؟
والمثير اليوم أن السؤال السوري يتحول مرة أخرى. إذ لم يعد الأمر متعلقاً فقط بقدرة الدولة الجديدة على البقاء، وإنما بما يمكن أن تفعله إذا نجحت.
وهذه نقلة استراتيجية هائلة.
فخلال أقل من عامين، انتقلت سوريا من لحظة سقوط النظام السابق إلى إعادة بناء علاقاتها العربية والدولية، ومن العزلة إلى الحوار مع واشنطن وأوروبا، ومن العقوبات إلى رفع معظم القيود الاقتصادية، ثم إلى إزالة اسمها من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب. وبين ذلك كله تحركت الاستثمارات، وعادت مؤسسات دولية، وبدأ الحديث عن مشاريع وبنى تحتية ومصارف وطاقة وزراعة وممرات تجارية وإعادة إعمار.
المفارقة أن هذه الوقائع لا تعني أن سوريا تجاوزت أزماتها. إذ ما يزال أمامها اقتصاد شديد الصعوبة، وفقر واسع، ومؤسسات تحتاج إعادة بناء، وتحديات في الأمن والوحدة الوطنية والسيادة والإدارة. لكن قراءة التحولات التاريخية لا تبدأ من سؤال: هل انتهت المشكلات؟ وإنما من سؤال أكثر دقة: هل تغير اتجاه التاريخ؟
وهنا تحديداً تكتسب زيارة نيويورك معناها.
فثمة فارق بين دولة تبحث عمن يعترف بها، ودولة تبدأ بالتفاوض على موقعها؛ وبين بلد يطلب من العالم مساعدته على الخروج من أزمته، وبلد يحاول إقناع العالم بأن نجاحه نفسه أصبح جزءاً من مصلحة إقليمية ودولية أوسع.
وهذه، في تقديري، إحدى الأفكار السياسية الأكثر أهمية التي صنعتها الدبلوماسية السورية الجديدة: إعادة تعريف سوريا من مشكلة ينبغي احتواؤها إلى إمكانية ينبغي استثمارها.
فموقع سوريا الذي جعلها، حين ضعفت الدولة، ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، يمكن أن يجعلها، حين تستعيد الدولة قدرتها، عقدة للاستقرار والتجارة والطاقة والاتصال بين فضاءات عربية وتركية ومتوسطية مختلفة.
فالحقيقة الواضحة هي أن الجغرافيا نفسها لم تتغير.
الذي يتغير هو العقل الذي يستخدم الجغرافيا.
ولهذا ينبغي ألا نقرأ زيارة الرئيس الشرع إلى أمريكا منفصلة عن التحولات التي سبقتها. فالبيت الأبيض، ورفع العقوبات، وإزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب، واستعادة العلاقات مع أوروبا، والحضور العربي، والانفتاح الاستثماري، ليست أخباراً متناثرة. إنها شواهد على عملية واحدة أكبر تتمثل في إعادة إدخال سوريا إلى العالم، وإعادة إدخال العالم إلى سوريا، ولكن على أساس مختلف عن ذلك الذي حكم العقود السابقة.
الأكثر إثارة أن الأسابيع الأخيرة أظهرت وجهاً آخر للعملية نفسها في الداخل.
ففي الوقت الذي يصل فيه الرئيس السوري إلى نيويورك، بدأ مجلس الشعب الجديد ممارسة دوره، واستُدعي الوزراء إلى جلسات استماع، وأُلغيت محكمة الإرهاب سيئة الصيت وأزيلت الآثار القانونية لأحكامها، فيما أجبرت احتجاجات أسعار المحروقات الحكومة على إعادة النظر في جانب من سياستها.
سوريا التي قضت سنوات طويلة تحاول الخروج من التاريخ، عادت أخيراً إلى موقع تستطيع فيه أن تشارك في صناعته
قد تبدو هذه أحداثاً بعيدة تماماً عن السياسة الخارجية، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى السؤال نفسه: أي دولة تولد في سوريا؟
فالاعتراف الدولي يستطيع فتح الأبواب، لكنه لا يستطيع بناء الدولة خلفها. والاستثمار يستطيع توفير رأس المال، لكنه لا يستطيع صناعة المؤسسات. والشرعية الخارجية مهما اتسعت لا تعوض الشرعية التي تنتج كل يوم من القانون والمساءلة والكفاءة وقدرة المواطن على التأثير في القرار.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في زيارة نيويورك.
فالنجاح الحقيقي للسياسة الخارجية السورية سيكون، في نهاية المطاف، عندما تصبح السياسة الخارجية أقل إثارة للدهشة.
عندما يصبح طبيعياً أن يزور رئيس سوريا واشنطن، وأن يخاطب الأمم المتحدة، وأن يجلس مع قادة العالم، وأن تتنافس الشركات على الاستثمار في بلده، وأن تتعامل المصارف معه، وأن تكون سوريا جزءاً من صناعة التوازنات الإقليمية لا مجرد ميدان لها.
ذلك أن الأمم لا تنهض فقط حين تحقق الاستثناءات؛ إنها تنهض حين تحول الاستثناء إلى طبيعي.
وربما لهذا تبدو السنوات السورية الأخيرة شديدة الكثافة تاريخياً. فما كان مستحيلاً أصبح ممكناً، وما أصبح ممكناً بدأ يتحول إلى مألوف، وما يصبح مألوفاً اليوم قد يتحول غداً إلى مؤسسة وقاعدة ومسار طويل.
ومن هنا، فإن الصورة الأهم في زيارة الرئيس الشرع إلى أمريكا قد لا تكون صورة بعينها، ولا اجتماعاً بعينه، ولا حتى الكلمة التي سيلقيها من منبر الأمم المتحدة.
الصورة الأهم هي المسافة بين صورتين: سوريا التي كانت، قبل سنوات قليلة، حاضرة في نيويورك بوصفها ملف حرب وعقوبات ولاجئين وإرهابا وتدخلات دولية؛ وسوريا التي يصل رئيسها اليوم حاملاً سؤالاً مختلفاً عن مستقبلها وموقعها ودورها.
وبين الصورتين تاريخٌ كاملٌ تقريباً.
غير أن التاريخ لا يمنح جوائزه مقدماً. وما فتحته سوريا خلال عامين من أبواب يحتاج سنوات من العمل كي يتحول إلى دولة مستقرة ومزدهرة وقادرة. ولهذا ربما يكون المعنى الأكبر لهذه الزيارة أنها لا تقول إن الرحلة السورية انتهت.
إنها تقول شيئاً أكثر دقة وأهمية: إن سوريا التي قضت سنوات طويلة تحاول الخروج من التاريخ، عادت أخيراً إلى موقع تستطيع فيه أن تشارك في صناعته.
٭ كاتب سوري


















0 تعليق