مات محمد زكور. هكذا عرف أولاده، وهكذا عرف أقاربه وجيرانه. غاب الرجل، وأقيم له العزاء، ومضت الحياة من دونه، كما تمضي بعد الذين يرحلون. وحدها زوجته كانت تعرف أن الميت ما زال يتنفس، وأن القبر الذي ابتلعه لم يكن تحت التراب، كان خلف جدار في البيت نفسه.
هناك، على بعد خطوات قليلة من أبنائه، عاش محمد أكثر من ثلاثة عشر عاماً مختبئاً في مساحة بالغة الضيق، بعدما خشي أن يعتقل للمرة الثالثة. كانت زوجته تمرر إليه الطعام والماء والدواء والملابس من فتحة صغيرة، بينما عاش أبناؤه سنوات وهم يعتقدون أن أباهم مات.
أفكر في كلمة «مات»، التي قالتها لهم أمهم. كم احتاجت من قوة كي تنطقها وهي تعرف أنه يسمع الحياة من وراء الجدار؟ وكم احتاج هو من قوة كي يقبل أن يمحى من حياة أولاده لكي يبقى موجوداً فيها؟ لم يكن يستطيع أن يظهر فجأة ليحتضن طفلاً اشتاق إليه، ولا أن يجيب إذا سمع اسمه، ولا أن يخرج إذا مرض أحدهم، ولا أن يشاركهم عيداً أو مائدة أو خلافاً عائلياً صغيراً. كان الأب موجوداً وغائباً في الوقت نفسه، قريباً بحيث قد يسمع وقع أقدامهم، وبعيداً بحيث لا يستطيع أن يمد يده إليهم.
فالغياب عادة مسافة… سفر… بحر… حدود… قبر… أما غياب محمد فكان سماكة جدار. ثلاثة عشر عاماً ليست رقماً يمر بسهولة في سطر. ثلاثة عشر عاماً تعني أن طفلاً يستطيع أن يدخل المدرسة ويخرج منها شاباً. أن تتغير الأصوات والملامح والأجساد. أن يشيب الشعر، وتتبدل المدن، وتموت صداقات وتولد أخرى. ثلاثة عشر شتاء لا يلامس فيه المطر وجهك، وثلاثة عشر صيفاً لا تقف فيه تحت الشمس. أعياد تمر، وأبواب تفتح وتغلق، ورائحة طبخ تصل إليك من بيتك فلا تجلس إلى المائدة. تستيقظ كل صباح لتكتشف أنك نجوت يوماً آخر، لكن ثمن النجاة هو أن تقضي يوماً آخر مختبئاً.
وفي تلك المساحة كان يأكل وينام ويصلي ويقضي حاجته. وإذا مرض، لم يكن باستطاعته الذهاب إلى الطبيب. كان يصف لزوجته ما يشعر به، فتخرج هي وتسأل ثم تعود إليه بالدواء. حتى الألم لم يكن مسموحاً له أن يخرج إلى العلن. وحتى الجسد، حين يمرض، كان عليه أن يمرض بصمت.
سبق أن اعتقل مرتين، وصار يخشى أن يكون الاعتقال الثالث مصيراً لا يستطيع احتماله. وقال إن فكرة الاختباء أنقذته من خيار أكثر قسوة، وإنه لولاها لكان قد فضّل أن يلقي بنفسه من مكان مرتفع على العودة إلى ما كان يخشاه في المعتقل.
هنا تتغير القصة كلها
لا يعود السؤال كيف استطاع رجل أن يحشر جسده خلف جدار ثلاثة عشر عاماً، بل كيف صار هذا الجدار، بكل ضيقه وعتمته، أقل رعباً بالنسبة إليه من الخارج. ربما لا يروي الخوف نفسه بالكلمات. ربما يرويه جسد رجل ينحني ليدخل فتحة صغيرة. رجل يصغّر نفسه حتى يستطيع البقاء. رجل يختار سجناً بناه بيديه لأنه يعتقد أن السجن الذي ينتظره في الخارج أقسى. ما أقسى أن يصبح الإنسان سجّان نفسه وحارسه وسجينه في آن واحد، وأن يغلق على نفسه الباب كل ليلة شاكراً لأنه ما زال على قيد الحياة.
وأفكر بأولاده أكثر مما أفكر فيه. كم مرة مر أحدهم بمحاذاة الجدار وكان الأب في الجهة الأخرى؟ كم مرة ضحكوا فابتسم وحده؟ كم مرة بكى أحدهم ولم يستطع أن يخرج؟ هل كان يعرف أبناءه من أصوات أقدامهم؟ وهل كانت أصواتهم، حين كبروا، تفاجئه لأنها لم تعد أصوات الأطفال الذين تركهم؟
نحن نرى أبناءنا يكبرون فلا ننتبه. نراهم كل صباح، ولهذا تفلت منا التحولات الصغيرة. أما هو، فلا بد أنه كان يسمع الزمن. يسمع الطفل يصبح رجلاً من نبرة صوته، ويسمع السنوات تمر من دون أن يراها.
وحين خرج من خلف الجدار، لم يكن يخرج من غرفة. كان يخرج من زمن كامل. من ثلاثة عشر عاماً عاشها الآخرون بينما بقي هو ثابتاً تقريباً في مكانه. خرج إلى بيت يعرفه ولا يعرفه، وإلى أولاد يعرفهم من أصواتهم أكثر مما يعرف وجوههم، وإلى حياة انتظرته كل تلك السنوات من دون أن تتوقف من أجله.
لا أعرف ماذا يفعل الإنسان في أول صباح حر بعد ثلاثة عشر عاماً من العتمة. هل ينظر طويلاً إلى السماء؟ هل يمشي بلا هدف لمجرد أنه يستطيع المشي؟ هل يفتح الباب ثم يغلقه ويعيد فتحه ليتأكد أن أحداً لن يمنعه؟ وهل يستطيع أن ينام في غرفة واسعة، بعدما تعلّم جسده سنوات طويلة حدود مساحة ضيقة؟
ربما تحتاج الحرية هي الأخرى إلى وقت كي يصدقها الجسد.
لكن شيئاً واحداً سيبقى في هذه الحكاية طويلاً بعد أن تنتهي دهشتها: أن رجلاً اضطر أن يعلن موته ليحمي حياته، وأن أولاده بكوه فيما كان يسمعهم خلف الحائط، وأن الإنسان حين يخاف قد يقبل أن يعيش في قبر صغير ما دام يعتقد أن هناك في الخارج قبراً أشد ظلمة.
لهذا لا أسأل كيف احتمل محمد زكور ثلاثة عشر عاماً خلف الجدار. ثمة سؤال أكثر قسوة، وأكثر قدرة على اختصار حكايته كلها:
ماذا كان يخشاه خارج ذلك الجدار، حتى بدا له الجدار رحمة؟
حين تصبح حفنة سكر أمنية
اسمها حسبية، امرأة مغربية في عقدها الثامن، تعيش وحدها في كهف بين الصخور، في ظروف لا تشبه ما نسمّيه عادة حياة مستقرة. لا بيت بالمعنى الذي نعرفه، ولا دفء كافياً، ولا تفاصيل كثيرة تحيط بها. مجرد صخر، ووحدة، وأيام تمضي ببطء. وحين اكتشف أحدهم قصتها، وانتشرت صورها على وسائل التواصل الاجتماعي، تحرك الناس. وصل إليها فريق طبي، وحاولوا مساعدتها، واقترحوا عليها الخروج من الكهف والانتقال إلى مكان أكثر أماناً وراحة.
لكنها رفضت. قالت إن هذا المكان بيتها. توقفت طويلاً عند هذه الجملة.
نحن نرى كهفاً، وهي ترى داراً. نحن نرى حجراً، وهي ترى المكان الذي حمل أيامها. نحن نرى عزلة، وهي ربما ترى آخر ما تبقى لها من شيء تعرفه ويعرفها. وحين سألوها ماذا تريد، لم تطلب بيتاً جديداً، ولا أثاثاً، ولا مالاً كثيراً، ولا حياة مختلفة. طلبت شيئاً صغيراً جداً: السكر والشاي.
أرادت فقط أن تصنع كأس شاي. كم هو غريب أن يختصر الإنسان احتياجاته كلها في طلب صغير إلى هذا الحد.
نحن الذين نكتب قوائم طويلة لما ينقصنا، ونشعر أحياناً أن حياتنا غير مكتملة لأن شيئاً لم نملكه بعد، ماذا نفعل أمام امرأة صار السكر عندها أمنية، وصار إبريق الشاي رفاهية؟ قطعة السكر التي قد تسقط من ملعقة أحدنا فلا ننتبه إليها، قد تكون عند إنسان آخر شيئاً ينتظره. وكأس الشاي الذي نتركه يبرد لأننا انشغلنا بالهاتف، قد يكون عند امرأة تعيش بين الصخور لحظة كاملة من الراحة والطمأنينة.
لكن قصة حسبية ليست حكاية جميلة عن القناعة، ولا ينبغي أن نحول الفقر إلى قصيدة. الفقر قاسٍ. والشيخوخة في العزلة قاسية.
وأن يعيش إنسان في مكان يفتقر إلى أبسط شروط الأمان والرعاية ليس مشهداً رومانسياً، حتى لو خرجت منه جملة مؤثرة أو صورة يتناقلها الناس.
لكن في قصتها شيء آخر أيضاً. شيء يتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان.
فنحن نظن أن البيت جدران وسقف وأبواب. وربما هو كذلك في البداية. لكن مع السنوات، يصبح البيت ذاكرة. يصبح رائحة. يصبح صوتاً مألوفاً في الليل. يصبح مكاناً يعرف أين بكينا، وأين انتظرنا، وأين مرّت الأيام علينا ببطء. وربما لهذا رفضت حسبية الخروج من كهفها.
أحياناً، حين يفقد الإنسان أشياء كثيرة، يتمسك بما بقي لديه، حتى لو كان بسيطاً وقاسياً، لأن فقدان المكان أيضاً قد يبدو كأن شيئاً آخر ينتزع منه.
ومع ذلك، بقي طلبها يؤلمني أكثر من الكهف نفسه.
الشاي والسكر. ليس أكثر. ربما لأنها لم تعد تنتظر من الحياة الكثير.
حين يكبر الإنسان وتقل خياراته، تتقلص الأمنيات أحياناً. لا يعود يحلم بأبواب كبيرة، ولا بسفر، ولا بمستقبل واسع. يصبح الحلم مساء هادئاً. وجسداً دافئاً. وشيئاً حلواً في الفم.
أتخيلها جالسة بين الصخور، تمسك الكأس بكلتا يديها، تشرب ببطء، ولا تعرف ربما كم شخصاً رأى صورتها، وكم هاتفاً حمل قصتها، وكم إنساناً حزن عليها من مكان بعيد.
هي لا تريد كل هذا. تريد أن يغلي الماء. أن تضع فيه الشاي. أن تضيف السكر. وأن تجلس في المكان الذي تسميه بيتها.
وفي عالم لا نتوقف فيه عن طلب المزيد، جاءت امرأة من كهف لتعيد ترتيب الأشياء كلها. لم تطلب الكثير. طلبت فقط أن يكون الشاي حلواً.
كاتبة لبنانية
















0 تعليق