تجلّت عبقرية الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، في قدرته الاستثنائية على معرفة الرجال، واستيعاب اختلافاتهم، وتوظيف خبراتهم في خدمة الدولة، انطلاقاً من رؤية قيادية جمعت بين الحزم والحكمة، والعفو وحسن التقدير، وجعلت من استصلاح الرجال نهجاً راسخاً في بناء الدولة وترسيخ دعائمها.
وفي كتاب «سياسة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في استصلاح الرجال» يبرزُ جانباً مهماً من هذه الشخصية القيادية الفذّة، حيث يسلّط الكتاب الضوء على منهج المؤسس في التعامل مع مخالفيه، وقدرته على تحويل الخصومة إلى تعاون، واستثمار الكفاءات والخبرات في خدمة الوطن.
وجاء ثمرة ندوة أُقيمت ضمن جلسة أمير منطقة القصيم بقصر التوحيد في بريدة، بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، وقدّم له الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، وشارك في تأليفه محمد بن عبدالرحمن السلامة، وأحمد بن عبدالعزيز البسام، وسليمان بن محمد العطني، فيما تولى مراجعته العلمية خليفة بن عبدالرحمن المسعود، بالتعاون مع جامعة القصيم التي اضطلعت بطباعته وإخراجه.
وفي تقديمه، يحدد أمير منطقة القصيم الغاية المعرفية من استعادة هذه التجربة، بربط دراسة صفات المؤسس بالمواقف التي تكشف أثرها في إعادة تأهيل الرجال ومنحهم فرصة المشاركة في بناء الدولة. ويستحضر ما تلقاه من روايات وشواهد، وما قرأه في المصادر المكتوبة وأقوال المعاصرين من عرب وأجانب، موضحاً أن اهتمامه بهذا الجانب دفعه إلى استضافة المؤرخين والمختصين في جلسات قصر التوحيد.
ويمنح هذا التقديم الكتاب مفتاحه التفسيري، إذ يعرض العفو عند المقدرة بوصفه منهجاً للحياة وبناء الدولة، ويتتبع أثره في انتقال المخالفين من العداء إلى الإسهام في شؤون الحكم والإدارة وتمثيل الوطن في الداخل والخارج.
وتتناول فصول الكتاب الثلاثة الصفات القيادية للملك عبدالعزيز، وأثر عفوه وصفحه، ومنهجه في اختيار الرجال ومتابعتهم، وصولاً إلى النتائج التي أثمرتها سياسته في استصلاحهم. ويكشف هذا التسلسل عن ترابط وثيق بين القيم التي تحلّى بها المؤسس والقرارات التي اتخذها، وما ترتب عليها من آثار في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز استقرارها.
وتبرز صفحات الكتاب ما اتسم به الملك عبدالعزيز من تديّن وكرم وشجاعة وحُسن تدبير، إذ اقترنت شجاعته برجاحة العقل وسلامة التقدير، وارتبط عفوه بالحرص على حقن الدماء وتغليب المصلحة العامة، فيما تجاوز كرمه حدود العطاء إلى سماحة النفس وحسن المعاملة وكسب القلوب.
ومن أبرز ما يوثقه الكتاب أن عفو المؤسس لم يكن موقفاً عابراً، بل كان مدخلاً لإعادة بناء الثقة وإسناد المسؤوليات إلى من أثبتوا أهليتهم وكفاءتهم، حتى ممن سبق لهم الوقوف في صفوف مخالفيه.
وفي هذا السياق، يستعرض الكتاب نماذج من الرجال الذين حظوا بثقة الملك عبدالعزيز، ومنهم محمد بن ظاهر الدباغ الذي تولى مسؤولية الإشراف على التعليم، ومحمد الطويل الذي أُسندت إليه إدارة جمارك الأحساء وماليتها، ثم الاستعانة به في المشورة، وعبدالرؤوف الصبان الذي تولى مسؤوليات في مجلس الشورى وإدارة الأوقاف وأمانة العاصمة المقدسة.
وتعكس هذه الشواهد بُعد نظر الملك المؤسس، وإدراكه أن الكفاءة والخبرة والقدرة على العطاء مقومات يمكن توجيهها لخدمة الدولة، وأن تجاوز الخلافات يفتح آفاقاً أوسع للاستفادة من الطاقات البشرية، دون الإخلال بمتطلبات المسؤولية وحسن الاختيار.
وتتجاوز القيمة التاريخية للكتاب توثيق المواقف والأحداث إلى إبراز مدرسة الملك عبدالعزيز في القيادة وإدارة الرجال، بما اتسمت به من بصيرة نافذة، وثقة راسخة، وقدرة على الجمع بين العفو والمساءلة، والتسامح ومقتضيات الحكم.
ويقدّم الكتاب، بما تضمّنه من شواهد تاريخية وإحالات علمية، قراءة في أحد الجوانب المضيئة من سيرة الملك المؤسس، الذي أدرك أن بناء الأوطان لا يقوم على توحيد الأرض فحسب، بل يمتد إلى تأليف القلوب، واستثمار الكفاءات، وتحويل الطاقات المختلفة إلى قوة تسهم في نهضة الدولة واستقرارها.
وهكذا تظل سياسة الملك عبدالعزيز في استصلاح الرجال شاهداً على حكمة قائد استثنائي، استطاع أن يجعل من العفو قوة، ومن الثقة مسؤولية، ومن اختلاف الأمس فرصة للمشاركة في بناء وطن أرست قيادته دعائمه على أسس راسخة.
- السعودية تحتفل باليوم الوطني الـ94
- زيادة اشتراكات المحامين ومعاشاتهم.. قرارات جديدة من الاجتماع المشترك للنقابة العامة والفرعيات
- السيسي يوجه بتدبير مخزون استراتيجي للدولة لمجابهة المواقف الطارئة
- تكريم باسم سمرة فى الدورة السادسة للمهرجان المصرى الأمريكى للسينما والفنون
- إصابة فتوح تربك حسابات الزمالك.. تعديل اضطراري في التشكيل أمام مصر للتأمين






