صراع إسرائيلي تركي على من يحدد قواعد الأمن في سوريا

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صراع إسرائيلي تركي على من يحدد قواعد الأمن في سوريا, اليوم الأربعاء 26 أغسطس 2026 01:14 مساءً

لم تكن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا في 18 أغسطس الجاري مجرد عملية عسكرية محدودة، رغم أن أضرارها المادية اقتصرت على المدرج وبعض منشآت التخزين والحظائر، ومن دون تسجيل ضحايا. 

فقد حملت العملية رسالة استراتيجية تتجاوز القاعدة نفسها ومفادها أن إسرائيل تريد رسم حدود واضحة لما تعتبره مقبولًا من الوجود العسكري التركي داخل سوريا، وتركيا ترفض أن تتحول إسرائيل إلى الطرف الذي يحدد شكل الترتيبات الأمنية في سوريا ما بعد بشار الأسد.


وكانت إسرائيل قد شنَّت ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور، الواقعة في محافظة إدلب وعلى مسافة تقارب 70 كيلومترًا من الحدود التركية. وقالت تل أبيب إن العملية استهدفت منع نشر قوات تركية في القاعدة، بينما أكدت دمشق أن أعمال الموقع كانت مرتبطة بإعادة تأهيل منشآت سورية متضررة من الحرب، ونفت وجود ترتيبات لإقامة قاعدة تركية دائمة هناك. كما أعلنت تركيا إدانتها للهجوم واعتبرته انتهاكًا لسيادة سوريا وتصعيدًا غير مسؤول.


لكن أهمية الضربة لا تكمن في حجم الخسائر، بل في طبيعة الهدف والتوقيت والرسالة، فأبو الظهور ليست مجرد منشأة عسكرية سورية مهجورة بل هي موقع قريب من المجال الاستراتيجي التركي، ويقع في منطقة تتقاطع فيها ثلاثة مشاريع.. 

مشروع تركيا لإعادة بناء نفوذها داخل سوريا، ومشروع إسرائيل لمنع ظهور قوة عسكرية سورية جديدة مرتبطة بخصومها أو بمنافسين إقليميين، والمشروع الأمريكي للحفاظ على استقرار هش في سوريا من دون السماح بانفجار مواجهة جديدة بين حلفاء واشنطن. 

وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة فالمعركة الحقيقية ليست على قاعدة جوية بل إن المنافسة الإسرائيلية ـ التركية في سوريا ليست وليدة الضربة الأخيرة. لكنها انتقلت حاليا من مرحلة التنافس السياسي إلى مرحلة اختبار الحدود العسكرية.


وكانت تركيا قد أعادت تعريف موقعها داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، إذ تحولت من قوة تركز على احتواء التهديدات الكردية وحماية مناطق نفوذها في الشمال إلى لاعب رئيسي في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة، بما في ذلك المجال العسكري والأمني. 

 

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى صعود سلطة جديدة في دمشق، مدعومة سياسيًا وعسكريًا من تركيا، باعتباره تطورًا يمكن أن يعيد تشكيل ميزان القوى على حدودها الشمالية. ولهذا فإن المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست فقط من يحكم دمشق، وإنما من يملك القدرة على تشكيل الجيش السوري الجديد، ومن يمتلك البنية العسكرية والاستخباراتية داخل سوريا.


فالمعلومات الإسرائيلية بشأن قاعدة أبو الظهور تكشف عن هذه النقطة تحديدًا؛ إذ تحدثت مصادر إسرائيلية عن معلومات استخباراتية تشير إلى نية تركيا نشر رادار وقوات وأنظمة دفاع جوي في القاعدة. وبغض النظر عن مدى دقة هذه المعلومات، فإن مجرد ظهور هذا الاحتمال يكشف تغيرًا مهمًا في الحسابات الإسرائيلية، إذ لم تعد أنقرة تُرى فقط كدولة مجاورة لسوريا، وإنما كقوة عسكرية يمكن أن تصبح جزءًا من البنية الأمنية السورية نفسها، وهذا ما لا تريد إسرائيل السماح بترسيخه.


وبهدف احتكار "العمق الأمني" في سوريا، وسعت إسرائيل عملياتها داخل سوريا منذ سقوط الأسد، بالاستناد إلى منطق أمني يقوم على منع ظهور أي قوة يمكن أن تهدد حرية عملها قرب حدودها. لكن هناك فارقًا بين التعامل مع بقايا النفوذ الإيراني والميليشيات المرتبطة به، وبين مواجهة وجود تركي محتمل.


ومن هنا فإن محاولة إسرائيل منع تركيا من إنشاء بنية عسكرية في سوريا تعني عمليًا الدخول في منافسة على العمق الاستراتيجي مع قوة إقليمية كبيرة. ولعل ذلك ما يفسر لماذا أثارت الضربة ردود فعل مختلفة حتى داخل المعسكر الغربي.


فالمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والسفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك وصف الضربة بأنها "تصعيد غير ضروري"، في موقف يكشف أن واشنطن نفسها لا تريد أن تتحول الساحة السورية إلى صراع مفتوح بين اثنين من شركائها الرئيسيين. كما أفادت تقارير بأن إسرائيل لم تبلغ واشنطن مسبقًا بالضربة، وهو أمر نفته إسرائيل عمليًا بالقول إن المعلومات والتحذيرات نُقلت إلى الجانب الأمريكي.


وهنا تظهر مشكلة أوسع بالنسبة إلى الولايات المتحدة تتمثل في كيف يمكن لواشنطن أن تدير تحالفها مع إسرائيل وشراكتها الاستراتيجية مع تركيا في الوقت نفسه، بينما تتعارض مصالح الطرفين بصورة متزايدة في سوريا؟ فربما تراهن إسرائيل على أن الضربات المحدودة داخل الأراضي السورية تستطيع توجيه رسالة إلى أنقرة من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة. 

فتركيا ليست قوة هامشية في الشرق الأوسط، إنها تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة، وهي عضو في الناتو، ولديها وجود عسكري فعلي في سوريا، إلى جانب شبكة من العلاقات العسكرية والأمنية الممتدة في المنطقة.

والأهم أن أنقرة لا تنظر إلى سوريا باعتبارها ملفًا خارجيًا منفصلًا عن أمنها القومي. فالحدود السورية مرتبطة مباشرة بالملف الكردي، وأمن الحدود، واللاجئين، والنفوذ الإقليمي، ومستقبل النظام السياسي في دمشق. لذلك، فإن أي محاولة إسرائيلية لفرض حدود على الدور التركي في سوريا يمكن أن تُقرأ في أنقرة باعتبارها محاولة لإعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بتركيا من دون موافقتها. 

ولهذا أعلنت الرئاسة التركية بعد الضربة أن أنقرة ستواصل التعاون مع الحكومة السورية في جهود تحقيق الاستقرار، بينما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس الرئيس رجب طيب أردوغان بأنه "يجر تركيا إلى مغامرات خطيرة في سوريا"، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح لأي طرف بتهديد أمنها.
المشكلة إذن لم تعد مجرد خلاف حول موقع عسكري؛ إنها خلاف حول من يملك حق تعريف الأمن في سوريا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق