يلا ساحل.. والمواطن الغائب

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
يلا ساحل.. والمواطن الغائب, اليوم الأربعاء 26 أغسطس 2026 12:39 مساءً

في الجانب العلوي من الشاشات التلفزيونية واللوحات الإعلانية، تفرض حملة يلا ساحل هيمنتها البصرية بقوة، في تجلٍ واضح لسطوة الآلة التسويقية وشركات التطوير العقاري، هذه الهيمنة الاستهلاكية تأتي لتزاحم شعار الجمهورية الجديدة، الذي رُفع لسنوات بهدف تأسيس وعي يرتكز على التنمية وبناء الإنسان.


المفارقة أن هذا الاستعراض المفرط للرفاهية يتزامن مع واقع اقتصادي يتطلب الترشيد وتكاتف الجهود، وهو ما يطرح تساؤلًا حتميًا: هل هذا الشعار الترويجي يعبر عن أولوياتنا الحقيقية، أم أنه مجرد استفزاز رأسمالي يغرد خارج سرب الرؤية الوطنية ويهدد السلم المجتمعي؟

 
لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن أهداف الآلة الرأسمالية؛ فهي هدف واضح من المطورين وشركات الإعلانات لتسويق استثمارات عقارية ضخمة، وتحويل الساحل الشمالي إلى حالة ذهنية  مستمرة تجتذب شرائح استهلاكية محددة. 

 

لكن الخطورة تكمن في التناقض البصري والنفسي؛ ففي الوقت الذي يُطالب فيه المواطن بالصمود الاقتصادي وترشيد الاستهلاك لمواجهة التحديات الصعبة، تُبث عبر الشاشات المصرية ومنصات التواصل الاجتماعي  صور لمنتجعات لا تعرف الترشيد، وفعاليات تصل أسعار تذاكرها وحجوزاتها بأرقام فلكية مستفزة.


هذا المشهد يخلق إحساسًا عميقًا بالظلم، حيث يبدو رأس المال منفصلًا تمامًا عن نبض الشارع ومعاناته. لقد تحول الترفيه على يد هذه الشركات إلى صناعة إقصائية بامتياز، حيث أصبح ما يحدث جدارًا عازلًا وأداة لفرز طبقي حاد، تسحق فيه  الطبقة المتوسطة تحت سطوة هذا الاستعراض، هذا الانقسام يرسخ ثنائية قاسية بين مجتمعات مغلقة على روادها، وواقع مجتمعي عام يكافح من أجل تدبير أساسيات الحياة.

 
وهنا أتذكرالمقولة الخالدة لعميد الأدب الفرنسي فيكتور هوجو في رائعته (البؤساء) حين لخص هذا التناقض الفج بكلمات موجعة قائلًا: "إن جنة الأغنياء تُصنع من جحيم الفقراء". إن هذا الوصف العبقري يتطابق تمامًا مع ما نشهده اليوم من استهلاك نخبوي يُمزق نسيج المجتمع ويحوله إلى جزر منعزلة لا يربط بينها سوى شاشات العرض.
 

لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال الوقوف ضد عجلة التقدم أو معارضة جهود المطورين العقاريين الجادين؛ فنحن ندعم الاستثمار الوطني وندرك أهميته القصوى، لكن المرفوض قطعًا هو أن يتحول هذا الاستثمار إلى أداة لاستفزاز مشاعر الملايين من المواطنين الغلابة.


إن ترك الساحة لحملات إعلانية تستعرض ثراءً فاحشًا دون مراعاة للسياق المجتمعي العام، هو رهان خاسر يضر بالنسيج الأهلي. التنمية الحقيقية، كما تقتضيها مبادئ الجمهورية الجديدة، لا تُقاس فقط بارتفاع الأبراج الفارهة، بل بمدى الاستثمار في بناء البشر وتوفير الحد الأدنى من العدالة. 
 

المواطن هو حجر الزاوية لأي بناء مستدام، واحترام واقعه على الأرض هو الضمانة الوحيدة لحفظ توازن وتماسك هذا المجتمع،  نريد أن نطمئن الناس بأن الوطن يتسع للجميع الأغنياء والفقراء.
فهل نأمل أن نرى قريبًا على الجانب الأيمن  من شاشاتنا شعار الإنسان أولًا، أو المواطن أولًا، بديلًا عن يلا ساحل؟ نتمنى ذلك قبل فوات الأوان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق