أكد المخرج المغربى فوزى بنسعيدى أن السينما بالنسبة إليه تتجاوز محاكاة الواقع بصورة حرفية، مشددًا على أهمية بناء عالم سينمائى مستقل من خلال الصورة والصوت والإيقاع، ومحذرًا من أن التطور التقنى المتسارع قد يخفى وراءه أعمالًا تفتقر إلى المعنى والرؤية الفنية، وذلك خلال ماستر كلاس بعنوان «حوار مع فوزى بنسعيدي: كيف نبنى عالمًا سينمائيًا؟»، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائى، التى تختتم فعالياتها غدًا الجمعة، وأدارها أحمد نبيل، بحضور عدد من السينمائيين، بينهم سلوى محمد على وهالة خليل وأمير رمسيس والدكتور خالد عبدالجليل وانتشال التميمى وأحمد عامر.
وقال فوزى بنسعيدى إن بدايته المسرحية أسهمت بصورة كبيرة فى تشكيل وجدانه الفنى، وكانت بوابته إلى عالم السينما، موضحًا أن المسرح يتمتع بمذاق خاص، لكنه يرى أن للسينما سحرًا مختلفًا يجعلها الفن الأقرب إليه.
وأضاف أن تجربته فى المسرح ساعدته كثيرًا على فهم الممثل والتعامل معه، وهو ما انعكس على تجربته السينمائية، لافتًا إلى أنه يحاول من خلال أفلامه تقديم ما يعبر عن أفكاره ورؤيته الفنية، وأنه خاض تجربة تقديم أفلام قصيرة دون كتابة سيناريو مسبق، وحقق ذلك ردود فعل إيجابية، معربًا عن أمله فى خوض التجربة نفسها فى الأفلام الروائية الطويلة.
لقطة غير تقليدية من مهرجان الجونة.. سلوى محمد علي تخطف الأنظار بالجلوس على الأرض إحياء لذكرى 10 أعوام على رحيله فى مهرجان الجونة.. محمد خان «حريف الإخراج» «المرأة فى سينما محمد خان».. كيف ظهرت بطلات أفلامه؟وتحدث بنسعيدى عن رؤيته للغة السينما، قائلًا إن محاكاة الواقع بصورة دقيقة وحرفية ليست ما يبحث عنه، موضحًا أن اهتمامه ينصب على كيفية مزج العناصر المختلفة داخل الصورة فى علاقة شاعرية، وخلق عالم سينمائى خاص من خلال توظيف عناصر الطبيعة والبشر والصوت والصورة.
مهرجان الجونة 2
وأوضح: «عندى إيمان بأن السينما التى تحاول أن تحاكى الواقع بشكل دقيق وحرفى لا تهمنى، ما يهمنى هو كيف تمزج أشياء فى علاقة شاعرية داخل إطار الصورة، وكيف تخلق عالمًا خاصًا بك داخل الفيلم، من شمس وطيور وناس، وكيف تسخر أدوات السينما الخاصة وتشتغل على لغة السينما من صورة وصوت بلا حدود».
وأضاف أن الصوت يمتلك، فى تقديره، قدرة تعبيرية تتجاوز الصورة فى بعض الأحيان، مؤكدًا أنه ليس من أنصار السينما الأدبية التى تعتمد على الكتابة بوصفها العنصر الأساسى فى بناء العمل، وانتقد غلبة النزعة الأدبية على تجارب عدد من السينمائيين، قائلًا: «أعتقد أن أغلب السينمائيين أدباء، وبكل أسف روائيون».
وتابع أن جوهر السينما لا يكمن بالضرورة فى الكلمات المكتوبة، وإنما فى الطريقة التى تتحول بها الكتابة إلى شكل سينمائى، موضحًا: «أعتقد أن السينما موجودة فى الفاصلة والنقطة، السينما مش فى الكلمات اللى بتتكتب، ولكن فى الشكل اللى ممكن تديه للكتابة».
وفى حديثه عن العلاقة بين الكتابة والإخراج، أشار بنسعيدى إلى أن امتلاك المخرج موهبة أدبية قد يمنحه فرصة أكبر لتقديم أفلامه، فى ظل اعتماد جهات الدعم والمنتجين على السيناريوهات عند اختيار المشروعات التى يمكن تمويلها أو إنتاجها.
وقال إن من يجيد الكتابة يمتلك فرصة لتطوير مشروعاته والوصول بها إلى الشاشة، مضيفًا أن الموهبة الأدبية قد تمنح صاحبها أفضلية فى تقديم فيلمه، حتى مقارنة بمخرج يمتلك مهارات إخراجية جيدة، فى إشارة إلى الدور الذى تلعبه الكتابة فى إتاحة الفرص داخل صناعة السينما.
وتطرق المخرج المغربى إلى التحديات التى تواجه السينمائيين فى ظل التطور التكنولوجى المتسارع وتزايد إنتاج الصور والأصوات، موضحًا أن علاقته بالصورة تشكل أحد الأسئلة الأساسية التى تشغله فى تجربته الفنية، خاصة أنه عاش مرحلة كانت فيها الصورة أكثر ندرة، وكان ينظر إلى صناعتها باعتبارها فعلًا يستحق التقديس.
وقال بنسعيدى إن السؤال الذى يشغله اليوم هو كيفية صناعة صورة ذات معنى فى عالم ينتج ملايين الصور والأصوات يوميًا، لافتًا إلى أن التطور التقنى المذهل جعل من الممكن تقديم أعمال تبدو متقنة من الناحية البصرية، رغم افتقارها إلى العمق الفنى أو الرؤية الواضحة.
وأضاف أن الرداءة باتت قادرة على الاختباء خلف مستوى تقنى مرتفع، محذرًا من أن الانبهار بالإمكانات الرقمية قد يدفع بعض المخرجين الجدد إلى الاهتمام بقوة التقنيات على حساب السؤال الأساسى المتعلق بضرورة صناعة الفيلم والهدف من تقديمه.
وشدد على أن الصورة السينمائية ينبغى أن تحمل فكرة ومعنى، منتقدًا انتشار صور لا تمتلك بداية أو نهاية واضحتين، ولا تقدم للمشاهد ما يساعده على فهم العالم الذى تنقله إليه، داعيًا المخرجين الشباب إلى عدم الانشغال بالإمكانات التقنية وحدها، والتمسك بامتلاك رؤية فنية تبرر اختياراتهم.
وقال إن السينما تستحق مكانة خاصة، وإن على صناعها إدراك قيمة ما يقدمونه، مشيرًا إلى أن الصناعة تشهد تغيرات كبيرة على مستوى الرؤية وطرق الإنتاج، وأن السينما تحولت، من وجهة نظره، من تجربة تنطوى على المغامرة والاكتشاف إلى رحلة أكثر ترتيبًا، يعرف صانعوها مسارها ومراحلها مسبقًا.
وأعرب بنسعيدى عن تشاؤمه إزاء بعض الاتجاهات السائدة فى السينما حاليًا، معتبرًا أن الأفلام بدأت تقلد المسلسلات، بعدما كانت المسلسلات فى مراحل سابقة تستلهم أساليب السينما، كما ربط مخاوفه بالمشهد السياسى العالمى وما وصفه بالنزوع نحو التحكم، مؤكدًا أنه رغم ذلك لا يزال يحتفظ بالأمل فى الأجيال الجديدة من السينمائيين.
ودعا الشباب العاملين فى صناعة الأفلام إلى الوعى بما يشهده العالم من تغيرات، وإعادة النظر فى إيقاع الحياة المتسارع، مؤكدًا ضرورة استعادة السينما قدرًا أكبر من التأمل والهدوء، بدلًا من الاعتماد على الإيقاع السريع وتقطيع المونتاج المتلاحق الذى قد يحرم المشاهد من الإحساس بالمكان وفهم تفاصيله.
وأوضح أن بعض الأفلام الحديثة تعتمد على سرعة الانتقال بين اللقطات إلى حد يصعب معه، بحسب رؤيته، استيعاب المكان أو تكوين علاقة حقيقية معه، مشددًا على أن السينما لا ينبغى أن تتحول إلى سباق تقنى أو بصرى، وإنما عليها أن تمنح المشاهد فرصة للتأمل والتفاعل مع الصورة.
واختتم بنسعيدى حديثه بالتأكيد على إيمانه بالأفلام التى تمنح الصورة وقتها الكافى، وتسمح للمشاهد بالتفاعل مع تفاصيلها، قائلًا: «اعتقادى العميق فى السينما أن الأفلام صاحبة الإيقاع البطيء والمشاهد الطويلة هى أفلام تطيل العمر».
قدم مهرجان الجونة السينمائى فى دورته التاسعة 77 فيلمًا تتوزع على مسابقات الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية الطويلة والقصيرة، إلى جانب الاختيارات الرسمية خارج المسابقة، بما يتيح للجمهور فرصة مشاهدة مجموعة من الأفلام المنتظرة فى المنطقة والعالم، فضلًا عن أعمال سينمائية سابقة مميزة تعرض ضمن البرامج الخاصة.
- المرأة والسينما وأزمات شباك التذاكر فى مهرجان الجونة
- يسرا: «زمان السينما كانت خروجة العائلة.. والنجومية مش مرتبطة بالإيرادات بس»
- يسرا وليلى علوي وإيناس الدغيدي يكشفن كواليس الجرأة والنجومية وأزمات شباك التذاكر في مهرجان الجونة
- منى زكى وحسن السيد يتصدران تكريمات «مهرجان الجونة»
- مايان السيد وجميلة عوض تخطفان الأنظار بإطلالتيهما في افتتاح مهرجان الجونة (صور)






