نسرين عجب تكتب: طرابلس جائعة.. لا تجلدوها

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«منازل عشوائية متلاصقة، ألوان وألوان تغطيها صور كبيرة للسياسيين، تكاد تخنقها».. هكذا رأيت طرابلس أول مرة زرتها، وكل السنين التى مرّت لم تستطع أن تمحو هذه الصورة المطبوعة فى مخيلتى.

زرت طرابلس كثيرًا بحكم التغطيات الصحفية، زرت الكثير من أحيائها ومرافقها، زرت البلدية التى احترقت، ووقتها استوقفتنى ضخامتها وسلطة رئيسها.

زرت الميناء، نهر أبوعلى، مكب النفايات، وكانت كلها تُخبر عن مآسى هذه المدينة وأهلها، ولكنها لم تختصرها كلها، ففى طرابلس هناك أوجاع أقسى.. فى طرابلس هناك عائلات تعيش بين المقابر حرفيًا.

لا أزال أذكر الرهبة فى عيون رجل خمسينى وهو يخبرنى عن الحياة بين المقابر، كان يتلفت يمينًا ويسارًا خوفًا من أن يأتى الرجل الذى استأجر منه تلك البقعة ليعيش هو وعائلته.. نعم كان يدفع بدلًا مقابل العيش بين المقابر!

عندما يحضر اسم طرابلس، تحضر اشتباكات باب التبانة وجبل محسن، ويحضر الإرهاب.. ولكن ماذا لو كان ذلك كله نتيجة لما تقاسيه المدينة وأهلها من عوز، فالعوز هو أكثر بيئة حاضنة للخروج على القانون.

طرابلس التى رأيتها هى المدينة الفقيرة التى تبحث عن فرصة وسط تناهش السياسة.. المدينة التى نسيها أغنياؤها ولا يتذكرونها إلا فى الانتخابات، ووقتها تنتشر صورهم ومعها الفتات من المال الانتخابى.

روح طرابلس التى عرفتها تشبه روح الرجل المسنّ الذى يصنع الفخار على طريقها البحرية، أخذت السنوات من ذاكرتى اسمه، ولكنى لا أزال أذكر وجهه البشوش وطيبته وشغفه بهذه الحرفة القديمة.

آخر مرة زرت طرابلس كانت ربيع 2014، وصادفت مع أول يوم لوقف إطلاق النار وانتشار الجيش اللبنانى بعد أحداث دامية. كنا نصوّر وثائقيًا لمحطة أجنبية، ويومها كان مقصدنا مكتبة قديمة فى أحد الأحياء. وصلنا إلى الموقع المطلوب، رحت أبحث عن موقف لركن السيارة، وبعكس بيروت بسرعة وجدت موقفًا، ولكنه كان فى مكان مظلم تحت الأرض.. لأول وهلة رحت أفكّر بكل الأخبار السيئة التى كانت تبثها المحطات التليفزيونية عن طرابلس، وأذكر وقتها كان برفقتى فريق عمل غير لبنانى، صرت أقول فى داخلى لِمَ أعرّض نفسى وغرباء لهكذا خطر؟.. دامت هذه الأفكار لبضع دقائق استلزمها ركن السيارة فى الموقف المظلم والخروج إلى الضوء، حيث لاقتنى وجوه بشوشة سألتها عن موقع المكتبة ودلتنى، وهكذا صرنا نتنقل بين الأحياء حتى وصلنا.

هذه طرابلس التى التقيتها وجهًا لوجه، ولم تشبه طرابلس الدموية التى سمعت عنها فى الأخبار والإعلام.. طرابلس اليوم استنفدت كل

قواها على الصمود وما عادت تحتمل.. من حق أهلها أن يثوروا على من اغتصبوا حقهم بالعيش الكريم لحسابات سياسية، من حقهم أن يغضبوا على من يستغلونهم.. من حقهم أن يرفعوا الصوت عاليًا ويقولوا الأشياء كما هى، كما فعل أحد الشباب الغاضبين، والذى عدّد جرائم السياسيين بحق أهل عاصمة الشمال من التجويع إلى الحرمان من التعليم، وصولًا إلى الاستغلال. قال: «عم تعطونا سلاح وعم نقلكم ما بدنا نحارب».. بدل السلاح أَمَا كان الأجدى أن يُعطى شباب طرابلس فرصة للعيش؟

لطالما كانت طرابلس ساحة للصراعات السياسية، ولا نعرف إن كان غضب شباب طرابلس أو تورط مندسين أحرق مرفقًا عامًا فيها، فى ظل دولة غائبة عن مسؤولياتها، ولكن ما هو واضح أن المدينة جائعة.. فلا تجلدوها!

نقلًا عن «إيلاف»

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    166,492

  • تعافي

    130,107

  • وفيات

    9,360

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق