الأصل السماوى للموسيقى!

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

سألنى السيد أحمد أبوالغيط، الأمين العام للجامعة العربية، بعد أن قرأ مقال الأسبوع الفائت: «لماذا الموسيقى، ولماذا محمد توفيق دياب؟»، فأجبت من فورى: توفيق دياب لأننى أعلم أثره الإيجابى فى تكوين حفيده صلاح دياب، وقد أردت أن أخطب ودَّه لأشاغبه فيما بعد، وأما الموسيقى فلأننى أذهب مع الذاهبين إلى أن موجة من انحطاط الذوق والأداء الموسيقيين تبدو عالية صاخبة، مما ينعكس سلبًا على وجدان المجتمع، الذى لا تنقصه سلبيات!

وردّ السيد الأمين بأنه هجر الموسيقى والغناء الشرقيين أو المصريين منذ زمن شبابه المبكر، إذ كان يرى والده وأصدقاءه يرتبون «القعدة» بمستلزماتها لسماع أم كلثوم، ووجد أن وقتًا طويلًا جدًا يمر فيما المطربة أو المطرب يكرر ويعيد ولا يزيد، والإيقاع بطىء ممل، ولذلك اتجه لسماع الموسيقى والغناء الغربيين.

واستمر الحوار، حيث ذهبت من جانبى إلى أن نمط ذوقنا مرتبط بالجغرافيا، أى بالنهر والزراعة وتداخل الصحراء مع الأرض السوداء، وكلها تفرض نوعًا من الرتابة والانتظار.. إذ الرى بالغمر أو بآلات بطيئة كالشادوف والطنبور والساقية، والتنقل على القدمين أو على الدواب البطيئة كالحمار والجمل، ولعل «الحداء»- وهو غناء وإيقاع الصحراء- دليل إضافى على ما أذهب إليه.

وفيما أبحث عما أكتب هذا الأسبوع تذكرت ناى جلال الدين الرومى. وتذكرت فترة أن كنت درويشًا صوفيًا ترك الدراسة فى الجامعة وهام على وجهه ينشد ما اعتقد أنه الحقيقة، وحضرات- جمع حضرة- الذكر التى كانت الموسيقى البسيطة تصاحب الإنشاد فيها، والتمايل إذا كانت الحضرة «حفنية» وصعود القفص الصدرى وهبوطه إذا كانت الحضرة «خلوتية» وهلمّ جرا، وعدت إلى «المثنوى» الذى كتبه مولانا جلال الدين الرومى، الطبعة التى ترجمها وشرحها العلامة المصرى إبراهيم الدسوقى شتا، ونشرها المركز القومى للترجمة.. ففى أول بيت فى أول جزء من الأجزاء الستة للمثنوى يقول مولانا: استمع إلى هذا الناى يأخذ الشكاية ومن الفرقات يمضى فى الحكاية:/ منذ أن كان فى الغاب اقتلاعى، ضج الرجال والنساء فى صوت التياعى../ أبتغى صدرًا يمزقه الفراق كى أبث شرح آلام الاشتياق../ كل من يبقى بعيدًا عن أصوله لايزال يروم أيام وصاله../ نائمًا صرت على كل شهود وقرينًا للشقى وللسعيد../ ظن كل امرئ أن صار رفيقى لكنه لم يبحث داخلى عن أسرارى../ وليس سرى ببعيد عن نُواحى لكن العين والأذن قد حرمتا هذا النور../ وليس الجسد مستورًا عن الروح ولا الروح مستورًا عن الجسد.. إلى أن يقول: إن هذا الأنين نار وليس هواء.. كل من ليست لديه هذه النار ليكن هباء../ ونار العشق هى التى نشبت فى الناى وغليان العشق هو سرى فى الخمر.. (والبقية فى نظم مولانا طويلة). ثم يشرح العلامة شتا شرحًا مفصلًا أقتبس منه: «بهذين البيتين يبدأ مثنوى جلال الدين، ومن قائل إن هذه الافتتاحية للمثنوى هى خلاصة الأفكار التى ساقها مولانا فى كتب المثنوى الستة.. ومن قائل إن المقصود بالناى هو الإنسان الكامل، ومن قائل إنه الروح القدسية، أو النفس الناطقة، وقال بعضهم إنه الحقيقة المحمدية.. وقال آخرون إن الناى هو القلم، فالناى والقلم من أصل واحد، ونفير الناى كناية عن صرير القلم.. وهناك من قال إن الناى هو مولانا جلال الدين نفسه».. إلى أن يصل العلامة شتا للقول: «إن الموسيقى على وجه العموم فى رأى مولانا نفحة سماوية، وكان العلاج بالموسيقى معروفًا فى بيمارستان (مستشفى) أُسست فى قونية سنة 625 هجرية».

ثم يحيلنا الدكتور شتا إلى الجزء الرابع من المثنوى لنجد أن مولانا جلال الدين الرومى ينشد فى أبياته أن الألحان والأنغام- أى الموسيقى- مستمدة من الجنة، ومن دوران الأفلاك فى السماوات: «ويقول المؤمنون إن آثار الجنة جعلت كل صوت قبيح حلوًا../ لقد كنا جميعًا أجزاء من آدم، وسمعنا تلك الألحان فى الجنة../ وبالرغم من أن الماء والطين قد صُبا علينا فإننا لانزال نذكر منها النزر اليسير../ ومن هنا فإن السماع كان قوت العاشقين فإن فيها خيالًا للوصال». «وبه تقوى خيالات الضمير بل تتحول إلى صور من تأثير الصوت والصفير»، وقبل ذلك يقول مولانا بما يؤكد أن تذوقنا للموسيقى مستمد من زمن كنا فى الجنة وقبل الهبوط منها.. ومستمد من حركة الأفلاك: «إن أنين المزمار وهدير الطبول فيه شبه قليل من ذلك الناقور العام- يقصد آية سورة المدثر (فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ. فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ)- ومن ثم قال الحكماء لقد أخذنا هذه الألحان من حركة دوران الفلك../ إنها أنغام دوران الفلك تلك التى يتغنى بها الخلق بالطنبور والحلق». أى الوتريات وآلات الإيقاع!.

وفى شرحه نجد مفاجآت عند العلامة الراحل إبراهيم الدسوقى شتا، وأستأذن أن أفصلها فى المقال المقبل.

[email protected]

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    166,492

  • تعافي

    130,107

  • وفيات

    9,360

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق