ومعانا المفكر فلان

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«ومعانا المفكر الكبير فلان»، عبارة تقديمية يرددها المذيع ببساطة ليُعلى أحيانًا من قدر قناته وبرنامجه بتشريف ضيف ما، مهما كان غير مستحق لقدر المسمى والصفة.

وعلى سبيل المثال ما يذكر من تعريفات لصفة «المفكر»، جاء فى قاموس (Oxford) الإنجليزى أن المفكر هو «ذلك الشخص الذى يفكر بطريقة عميقة وجدّية... أو هو ذلك الشخص الذى يملك قدرات عقلية متطورة جدا، وخاصة أولئك الذين تتضمن مهنهم نشاطًا عقليًا»، ومن خلال هذا التعريف يظهر تماما أن المصطلح الإنجليزى المقابل لكلمة مفكر، لا يحمل العبء الاصطلاحى الذى يحمله المصطلح العربى، وأن التركيز لم يتعدّ الجانب اللغوى وآلية عمل الدماغ- أى التفكير- وإن كان هناك تأكيد على عمق التفكير وجديته، لكن يظل هذا التعريف بعيدا عن المضمون الاصطلاحى الذى يحمله المصطلح العربى لكلمة «مفكر».

أتوقف هنا فقط عند من يقدمونه كمفكر، فليس كل الناس مفكرين على هذا النحو، وإن كان العامة والبسطاء منا فى كثير من الأحوال لديهم ما يدفعهم لممارسة فعل التفكير، لكن المفكر المستحق لذلك المسمى ليس مجرد شخص موهوب فى فنون التنظير وتسبيك الخطب والخطابات المبهرة، وإنما أراه من البنائين لفكر الناس والمجتمع والمشارك بوطنية وانتماء فى بناء الدولة.

المفكر الحقيقى أراه متمتعًا بقدر من الاستقلالية التى تمنحه الحرية فى استخدام العقل والفرز والانتخاب والحذف والإضافة وأين يضع قلمه، وإلى أين يذهب ببحثه وكيف يدير معمل تجاربه الإبداعية ونظرياته الفكرية المعملية المتجددة.

المفكر الحقيقى لديه مشروع وأهداف يسعى إلى تحقيقها بإصرار وإيمان وثقة فى النتائج التى رأى أن يسبقها وجود معطيات محفزة ومشاهدات للتأكيد على أهميتها ومن ثم نجاحها ليخرج فى النهاية بمواقف ونتائج تشكل نظريات نافعة هادية للأجيال الحاضرة والقادمة.

وفى هذا السياق يجكى لنا الكاتب الصحفى الكبير «صلاح منتصر» أن الفيلسوف والمفكر لا يمر بسرعة على الأسئلة التى توجه إليه، حتى وإن أخذت صورة عدم الجدية. وعندما سألت توفيق الحكيم عمن يحب أن يلقاه فى الآخرة بعد الموت كان سؤالى له على طريقة المداعبة، لكننى فوجئت به عندما زرته بعد يومين يناولنى ثلاث صفحات كتب فيها إجابة على سؤالى الذى أخذه بمنتهى الجدية وحوله إلى قطعة أدبية بالغة المعانى.

كتب المفكر توفيق الحكيم عنوانا فى أعلى الصفحة: فى الآخرة: قضية التعليم مع طه حسين. وتحت العنوان جاء هذا الحوار:

■ ما حكاية كلمتك (يا دكتور طه): التعليم كالماء والهواء؟

ـ طه حسين: أنا عارفك كل شىء تعقده وتفلسفه، ولكن قصدى معروف.

■ نعم معروف، ولكن بمعنى ليس واحدا، بل بكثير من المعانى تبعا للرغبات أو المزايدات، وإن انتهى كل شىء إلى معنى قيام الدولة بكافة مصروفات التعليم لكل المراحل ولكل شخص. أى التعليم المجانى للجميع فى كل المراحل. أى أصبح التعليم كالقطار المجانى يركب فيه كل شخص مادام بدون تذكرة، وأحيانا بدون هدف، إلى أن يقذف القطار بركابه فيخرجون إلى الشوارع لا يعرفون ماذا يفعلون، وينتهى بهم الأمر إلى الجلوس على مكاتب يحشرون فيها مع ألوف البشر، وكثرت المكاتب وقل الإنتاج (ملاحظة: فى وقت الحديث كانت الدولة ملتزمة بتعيين الخريجين).

[email protected]

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    161,143

  • تعافي

    126,176

  • وفيات

    8,902

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق