نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بنج كلي.. فرص مؤكدة وهدف ضائع, اليوم الأحد 6 سبتمبر 2026 12:01 مساءً
أكثر ما أزعجني في بنج كلي ليس أنه مسلسل ضعيف، ولا أن أداء ممثليه كان سيئا، ولا حتى أن بعض تفاصيله الدرامية لم تكن مقنعة بالقدر الكافي. بالعكس تماما، مشكلتي الأساسية مع المسلسل أنه بدأ جيدا جدا، وربما أفضل مما توقعت، ثم أخذ يفقد بوصلته تدريجيا، حتى وصلت إلى الحلقة الأخيرة وأنا أسأل نفسي سؤالا بسيطا ما الحكاية التي أراد مسلسل بنج كلي أن يحكيها بالضبط؟
في البداية، كان كل شيء تقريبا يبدو في مكانه. دعاء، طبيبة التخدير التي تقرر أن تبدأ طريقها المهني بعيدا عن ظل والدها الطبيب الكبير، كانت شخصية واضحة الدوافع. هي لا تريد أن تحصل على مكانتها لأنها ابنة رفعت سلماوي، بل تريد أن تثبت أنها طبيبة قادرة على النجاح بمفردها.
وفي المقابل، لدينا عزازي، الطبيب الذي يدخل معها في صدام منذ اللحظة الأولى، ويحمل تصورا ذكوريا واضحا عن وجود المرأة داخل هذا العالم المهني. والأهم أن الشخصيتين لم تكونا مجرد بطل وبطلة مكتوبين لكي يقع أحدهما في حب الآخر.
كان لكل واحد منهما عالمه الخاص، عائلته ومشكلاته وتاريخه وطريقته في النظر إلى الحياة. دعاء ابنة طبيبين، ووالدتها تعيش حياة عاطفية جديدة، بينما عزازي يحمل مسؤوليات أسرية ويقف إلى جوار والدته وشقيقته، وله رؤيته الخاصة تجاه الزواج والعمل والمرأة.
هنا تحديدا كان المسلسل يملك نقطة انطلاق ممتازة. كان يمكن أن يكون لدينا مسلسل عن طبيبة شابة تحاول إثبات ذاتها في بيئة مهنية يغلب عليها الطابع الذكوري، وفي الوقت نفسه نرى كيف يتغير الرجل الذي بدأ باعتبار وجودها تهديدا لنفوذه ومكانته. وكان يمكن أن تكون علاقة دعاء وعزازي هي المحور الذي نرى من خلاله هذا التغيير.
وكان يمكن أيضا أن يكون المستشفى نفسه بطلا ثالثا للعمل، بما يحتويه من أطباء وممرضين ومرضى وحالات إنسانية وصراعات مهنية، وهو ما حاول صناع المسلسل تقديمه بالفعل. حتى مخرجة العمل نادين خان تحدثت عند بداية العرض عن رغبتها في تقديم الدراما الطبية داخل المستشفى من منظور خاص بالمجتمع المصري، لا باعتبار المستشفى مجرد ديكور للأحداث.
ثم جاءت الحكاية التي كان من المفترض أن تمنح المسلسل محركه التشويقي.. مريض يستفيق من التخدير ويتحدث عن سر خطير، فتجد دعاء نفسها أمام معلومة لم تكن تبحث عنها أصلا، وتبدأ رحلة البحث عن الحقيقة، فيتقاطع طريقها مع عزازي. ومن هنا كان يمكن أن يصبح السؤال الدرامي شديد القوة ماذا يفعل طبيب التخدير عندما يكشف المريض، وهو في حالة لا يملك فيها السيطرة الكاملة على كلامه، سرا خطيرا؟
هل الطبيب مؤتمن على سر مريضه مهما كان هذا السر؟ هل توجد لحظة يصبح فيها الصمت جريمة؟ وهل يجوز للطبيب أن يتدخل عندما يتعلق الأمر بجريمة حدثت بالفعل؟ هذه، في رأيي، كانت واحدة من أثمن الأفكار التي امتلكها «بنج كلي» ثم لم يمنحها المسلسل الوزن الذي تستحقه.
لأن «بنج كلي» كان يستطيع أن يجعل مهنة دعاء نفسها جزءا من الصراع الأخلاقي الرئيسي في الحكاية، لا مجرد مهنة اختيرت لأنها تسمح بخلق لحظة تشويقية عندما يتحدث شخص تحت تأثير التخدير.
ومع تقدم الحلقات بدأ المسلسل يفتح أبوابا كثيرة جدا. لدينا دعاء وعزازي. ولدينا صراع دعاء مع والدها ورغبتها في إثبات نفسها بعيدا عنه. ولدينا بيئة المستشفى والصراعات المهنية. ولدينا الحالات الطبية والعمليات والمرضى. ولدينا علاقة عزازي بعائلته. ولدينا علاقات الحب والزواج والطلاق داخل الشخصيات الجانبية.
ثم يظهر لغز حمزة ومدحت وماضيه وعلاقته بوالدة دعاء، ثم يتحول الأمر إلى بحث وتحقيق وتهديدات ومطاردات. وفي الخلفية هناك الدكتور فؤاد وحالته الصحية الغامضة، وما يترتب عليها من أسئلة داخل المستشفى. كل هذه الحكايات ليست سيئة في حد ذاتها، وبعضها كان ممتعا فعلا، لكن المشكلة أن المسلسل لم يعد واضحا في تحديد أي واحدة منها هي الحكاية الرئيسية وأيها مجرد خطوط مساعدة.
وهنا أعتقد أن مسلسل بنج كلي فقد البوصلة. وفي الحلقات المتأخرة نرى العلاقة بين دعاء وعزازي تتغير بوضوح، ويتحول الصدام إلى تفاهم، بينما تستمر أجواء العمليات والحالات الطبية في خلفية العلاقة. ثم تتسع الحكاية أكثر، فتبدأ دعاء البحث عن خيوط مرتبطة باختفاء حمزة وعلاقة مدحت بالأمر.
وفي الحلقة الحادية عشرة ربما يصبح لدينا مسار آخر يتعلق بفؤاد وحالته الصحية، بالتوازي مع قضية مدحت وحمزة. كل ذلك يحدث داخل خمسة عشر حلقة فقط. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية ليس في كثرة الأحداث، وإنما في غياب مركز الثقل الذي تنتظم حوله هذه الأحداث.
أنا كمشاهد أريد أن أعرف من البداية ماذا تريد دعاء؟ إذا كانت تريد إثبات ذاتها كطبيبة، فأريد أن تكون الرحلة المهنية هي العمود الفقري للمسلسل. وإذا كان اللغز هو قلب الحكاية، فأريد أن أعرف لماذا هذا السر تحديدا سيغير حياة دعاء وعزازي، ولماذا يجب عليهما أن يخوضا هذه الرحلة حتى النهاية.
وإذا كانت قصة الحب هي الحكاية الرئيسية، فأريد أن أرى تطور العلاقة بوصفها رحلة كاملة، لا مجرد انتقال تدريجي من الخلاف إلى الإعجاب ثم الاعتراف. أما إذا كان المسلسل يريد أن يكون دراما طبية اجتماعية، فليمنح المستشفى وشخصياته وحالاته الطبية المساحة الكافية ليصبح العالم الطبي نفسه هو الحكاية.
لكن مسلسل بنج كلي أراد كل ذلك في وقت واحد. والنتيجة أنه امتلك أربع أو خمس بدايات لمسلسلات مختلفة، دون أن يمنح إحداها النهاية التي تستحقها. حتى قصة مدحت وحمزة، التي كان يمكن أن تصبح العمود التشويقي للمسلسل، وصلت في النهاية إلى القبض على مدحت بعد اتهامه بالتورط في قتل حمزة والشروع في قتل دعاء.
ثم جاءت النهاية. وهي في رأيي تلخص أزمة المسلسل كلها. عزازي يعترف لدعاء بمشاعره، وتنتهي الحكاية تقريبا عند هذه النقطة، بينما تظل مصائر وخطوط أخرى مفتوحة. قد تكون النهاية المفتوحة اختيارا فنيا مشروعا، ولا أعارضها من حيث المبدأ لكن النهاية المفتوحة تصبح مشكلة عندما يشعر المشاهد أن المسلسل نفسه لم يحسم ماذا كان يريد أن يغلق وماذا كان يريد أن يترك مفتوحا.
وهذا ما حدث معي. خرجت من مسلسل بنج كلي وأنا لا أشعر أنني شاهدت رحلة بطل لها هدف واضح وصلت إليه، بل شعرت أنني شاهدت مجموعة من الشخصيات الجيدة تتحرك داخل مجموعة من الأحداث الجيدة، ثم توقف المسلسل. وهذا مؤسف، لأن الشخصيات كانت تستحق أفضل من ذلك.
سلمى أبو ضيف قدمت دعاء بحساسية وهدوء، ولم تقع في فخ تحويل الطبيبة الشابة إلى شخصية مثالية بلا عيوب. ودياب كان من أكثر عناصر العمل حضورا، خصوصا في التحول التدريجي لشخصية عزازي من الرجل الذي يرفض وجود دعاء ويشكك في قدراتها إلى شخص يبدأ في رؤيتها بصورة مختلفة.
بل إن العلاقة بين الاثنين كانت من أكثر خطوط المسلسل جذبا للجمهور، تحديدا لأنها لم تبدأ كقصة حب تقليدية، وإنما بدأت بالصدام ثم تحولت تدريجيا إلى تفاهم ومشاعر.
كمال أبو رية أيضا كان اختيارا موفقا في شخصية الأب، ومحسن محيي الدين امتلك حضورا مهما، حتى عندما لم يحصل خطه الدرامي على المساحة التي كان يمكن أن يحصل عليها. وهنا المفارقة. الممثلون كانوا أفضل من الحكاية أحيانا. كنت أصدق الشخصيات أكثر مما أصدق اتجاه الحكاية التي تتحرك فيها.
كنت أريد أن أعرف ماذا سيحدث لدعاء كطبيبة، ثم وجدت نفسي أتابع قصة حبها، ثم انتقلت إلى لغز حمزة ومدحت، ثم إلى أزمة فؤاد الصحية، ثم إلى مشاكل الشخصيات الجانبية، ثم عدنا مرة أخرى إلى دعاء وعزازي. وهكذا ظل المسلسل يطلب مني أن أستثمر عاطفيا في أكثر من حكاية، من دون أن يقول لي أي حكاية هي الأهم.
ولعل أكثر ما يؤكد هذه المشكلة أن الجدل بعد الحلقة الأخيرة لم يكن فقط حول مصير دعاء وعزازي، وإنما امتد إلى أسئلة كثيرة تركها العمل بلا إجابات. ومع ذلك، لا أريد أن أظلم مسلسل بنج كلي. فالمسلسل لم يفشل في صناعة عالمه، وهذه نقطة مهمة جدا. على العكس، هو نجح في البداية في خلق مستشفى له شخصياته وقواعده وعلاقاته، ونجح في تقديم دعاء وعزازي بوصفهما شخصيتين لهما دوافع وخلفيات، ونجح ممثلوه في جعلنا نهتم بهما.
لكن الدراما ليست فقط أن تخلق شخصيات جيدة، وإنما أن تعرف إلى أين تأخذ هذه الشخصيات. ليست المشكلة أن يكون لديك لغز وقصة حب ودراما طبية وصراع عائلي في مسلسل واحد. المشكلة أن كل هذه العناصر تحتاج إلى مركز. تحتاج إلى سؤال واحد كبير يظل حاضرا في ذهن المشاهد من الحلقة الأولى حتى الأخيرة.
وفي «بنج كلي» ضاع هذا السؤال وسط كثرة الأسئلة. هل نحن أمام قصة طبيبة تخدير تحاول إثبات ذاتها في عالم ذكوري؟ أم أمام قصة حب بين دعاء وعزازي؟ أم أمام دراما طبية عن الحياة اليومية داخل المستشفى؟ أم أمام لغز جريمة بدأ من اعتراف مريض تحت تأثير البنج؟ أم أمام حكاية عائلية عن دعاء ووالدها ووالدتها ومدحت؟
الإجابة، على ما يبدو، هي.. كل ذلك. وهنا تحديدا كانت المشكلة. لأنني بعد خمسة عشر حلقة كنت أتمنى لو استطاع «بنج كلي» أن يخبرني ببساطة ما قصتنا؟
كان لديه ممثلون جيدون، وشخصيات قابلة للحياة، وعالم مختلف، وفكرة تشويقية ذكية، ومخرجة استطاعت أن تمنح المكان حضوره، وكاتب يعرف كيف يصنع العلاقات والصراعات. لكنه في منتصف الطريق تقريبا نسي أن كل هذه الأشياء، مهما كانت جيدة، يجب أن تخدم حكاية واحدة في النهاية.
ولذلك، بالنسبة لي، مسلسل بنج كلي ليس مسلسلا سيئا بقدر ما هو مسلسل أضاع فرصة كان يمكن أن تجعله أفضل بكثير مما انتهى إليه. بدأ وهو يعرف من هم أبطاله ولماذا يتصرفون بهذه الطريقة. وانتهى وأنا أعرفهم بالفعل، وأحب بعضهم، وأستمتع بأداء ممثليهم، لكنني لم أعد أعرف بالضبط إلى أين كانوا ذاهبين. وهذه، في النهاية، هي أكبر مشكلة يمكن أن تواجهها أي حكاية درامية.


















0 تعليق