ليست معركة فكرية

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لقد انخرطت الدولة المصرية، منذ نحو سبعة عقود، فى عدد من الأنشطة المدبرة الهادفة إلى محاربة فكرة العنف السياسى، إذ بدا أن هذا العنف، الذى تدثر خلال هذه الفترة غالباً بدعاوى دينية، يمثل أحد أهم المخاطر التى تواجه الدولة والمجتمع. ورغم هذه الجهود التى تعاقبت الحكومات المختلفة على بذلها، فإن تيار العنف السياسى المستند إلى تأويلات دينية لم ينقطع، بل راح أثره ينزوى حيناً ويتعاظم أحياناً، ارتباطاً بعديد المحفزات، التى يمكن إجمالها فى: صراعات السلطة، والقلاقل الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، والإخفاق الحكومى فى معالجة تطلعات الناس ومقابلة توقعاتهم. ولأسباب عديدة يجدر أن نخصص لها قدراً وافياً من البحث والدرس، فيبدو أنه استقر فى وعى القائمين على محاربة العنف السياسى المتدثر بالدعاوى الدينية، أن تلك المعركة «فكرية» فى الأساس، وراح نقاد ومنظرون ومفكرون ثقات يشددون على فكرة «محاربة الفكر بالفكر»، وراح تنفيذيون يضغطون على المؤسسات الدينية ومراكز الإنتاج الثقافى والفنى لخوض تلك المعركة، صوناً للبلد ومقدراته، وحرصاً على السلم الأهلى والوحدة الوطنية.

وفى هذا السياق، برز دور الفن مبكراً، وفى القلب منه، بطبيعة الحال، الدراما، وقد كان مبعث هذا التركيز مستنداً إلى إدراك الحالة الاجتماعية، التى ما فتئت تعانى من تداعيات الفقر والأمية، وهو الأمر الذى عزز الاتجاه إلى «الاستثمار» فى صناعة الفن، باعتبارها آلية ناجعة فى التأثير والنفاذ والملاءمة لطبيعة الهدف وخصوصية الجمهور المستهدف. ولذلك، فقد كان مفهوماً ذلك «الاستثمار» الضخم فى أعمال تليفزيونية وسينمائية تلعب هذا الدور المأمول، أى إعادة تأويل النصوص الدينية بالشكل الذى ينزع منها حجية الدفع إلى ممارسة العنف السياسى، وذرائعية الخروج على الدولة والمجتمع، ويعزز تكريسها للسلم الأهلى.

والشاهد أن التيارات العلمية الأحدث فى تفسير دور التأويل الدينى والقيم السائدة فى الدفع إلى حمل السلاح تخبرنا بشىء مخالف ومدهش فى آن، إذ تخلص تلك التيارات إلى أن دور هذا التأويل وتلك القيم ثانوى وضعيف الأثر وليس هو المنطلق الأساس فى حمل الناس على استخدام العنف.

تشير مدرسة «المادية الثقافية» إلى أن الحياة الاجتماعية ذات طابع عملى بصورة أساسية. ويقسم هذا التوجه أى ظاهرة اجتماعيةـ ثقافية إلى ثلاثة عناصر: بنية تحتية Infrastructure، وبنية Structure، وبنية فوقية Super Structure.

إن قرار العنف أيضاً يتخذ وفق هذه العناصر الثلاثة، وتتعلق البنية التحتية الخاصة به بفكرة: لماذا يمارس بعض الناس العنف ضد الدولة والمجتمع، وكيف؟

ويقود هذا إلى السؤال عن الظروف المادية والشعور بالاضطهاد أو التهميش أو الظلم. أما البنية Structure فتتعلق بالسياق الذى تزدهر فيه أنشطة العنف، والتمويل، والروابط التنظيمية، والدعم الخارجى.

أما البناء الفوقى، فإنه لا يوفر سوى الإطار الأخلاقى لممارسة العنف وتحفيز المقاتلين، وهو جانب يتصل بالأيديولوجيا والقيم السائدة فى المجتمع.

يقودنا هذا إلى خلاصة محددة وبسيطة: فالشخص الذى يحمل السلاح ضد الدولة والمجتمع فعل ذلك أولاً لظروف مادية خاصة به، أنتجتها آليات غير عادلة فى الغالب، وبسبب وجود سياق موات، وتمويل خارجى وداخلى، وقدرات تنظيمية، فقد استطاع أن يمتلك أدوات ممارسة العنف، وأن يجد الخطط الناجعة لشن هجماته على الدولة والمجتمع. أما التأويل أو التسويغ الدينى والقيمى، فأثره هامشى، وقد حل ثالثاً فى تلك التراتبية. تركز الأعمال الفنية الهادفة إلى محاربة العنف السياسى والدفاع عن الدولة والمجتمع على هذا الملمح الأخير باعتباره حجر الأساس فى قرار العنف، ولكى تفعل ذلك فهى تقدم فكراً وتأويلاً مغايراً للنص الدينى، وحين تفعل هذا فإنها تقر أيضاً بأن الممارسات الاجتماعية سواء كانت سلمية أو عنيفة يجب أن تنطلق من تأويل وتفسير ما لنص مقدس.

الدستور والقانون يجب أن يستعيدا دورهما، والأعمال الشاذة والصدامية يجب أن تخضع فى تشخيصها وتجريمها لمعايير قانونية فى دولة مدنية حديثة، والخلاف ليس فى التأويل والتفسير للنصوص المقدسة، لأن العودة إليها لحسم الخطأ والصواب فى السلوك الذى يستهدف الدولة والمجتمع مفاقمة للإشكال وليس حلاً له.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق