الدكتور القس أندريه زكى يكتب: رجاء أقوى من الموت

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى قلب احتفالنا وفرحتنا بعيد القيامة المجيد، خاصةً وسط الظروف التى نجتازها حاليًّا، يراودنى السؤال: هل من معنى للعيد وسط كل ما يحدث فى العالم من شعور عميق بالإحباط جراء تأثيرات فيروس كورونا؟

للعام الثانى على التوالى نحتفل بعيد القيامة وسط إجراءات صحية احترازية، شهدنا العام الماضى موجتين للفيروس أدتا إلى نتائج كارثية فى كل بقاع العالم، وها هى الموجة الثالثة، التى تعتبر أشرس وأقوى موجة لكورونا حتى الآن، سواء من ناحية سرعة انتشارها أو من ناحية تأثيراتها المرضية. رأينا جميعًا من حولنا كيف فقدت أسرٌ كثيرةٌ أحباءَ لها، وتزايدت الحالات الحرجة بمستشفيات العزل وداخل البيوت. اقتصادات العالم تزعزعت وأسواق العمل العالمية أصابها الركود وحركة التجارة العالمية توقفت. التباعد الاجتماعى والعزل المنزلى أيضًا تركا آثارًا سلبية عديدة؛ فتزايدت المشاكل النفسية وتصاعدت موجات العنف المنزلى. أُغلِقت أماكن العبادة، وتأثرت العملية التعليمية على شتى مستويات التعليم. سيطر الخوف من الغد المجهول على حياة الكثيرين وأفكارهم وأصبح هو سيد الموقف.

يجاهد الإنسان فى كل مكان ضد الفيروس لتستمر الحياة. فرأينا جميعًا جهود وزارة الصحة المصرية فى نشر الوعى الصحى بين المصريين. ورأينا كيف اتحد العلماء معًا حول العالم لتطوير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا. بارقة أمل وسط كل الإحباطات التى تحيط بنا.

ولكن ماذا عن الاحتفال بالعيد؟ تروى الأناجيل أحداثًا متفرقة تدور فى فلك حدث القيامة العظيم، ومن أهمها قصة تلميذى عمواس اللذين التقى بهما السيد المسيح بعد قيامته، وهى قصة فريدة حقًّا توجه لنا اليوم رسالةً قويةً.

يحكى إنجيل لوقا 24: 13- 35 عن تلميذين من تلاميذ السيد المسيح كانا منطلقين من أورشليم-القدس إلى قرية اسمها عمواس تبعد عن أورشليم حوالى 11كم. وفيما هما سائران يظهر لهما المسيح يتحدث معهما، دون أن يتعرفا عليه، ويدور الحوار حول حالة الإحباط التى انتابت التلاميذ جميعًا عقب صلب السيد المسيح. ثم بعد العديد من التفاصيل يتعرفان عليه ويذهبان ليخبرا بقية التلاميذ بقيامة السيد المسيح. وهنا أود أن أقف عند بعض التفاصيل بشىءٍ من التأمل.

أولًا، هذان التلميذان كانا عائدين إلى بلدتهما الصغيرة بعدما عاشا مع السيد المسيح لسنوات، وفجأة انهار كل شىء بالنسبة لهما بسبب صلب السيد المسيح، ووجدا نفسيهما ضائعين، تائهين، لا يعرفان إلى أين يذهبان. وما أصعب هذا الشعور، الشعور بالانهزام والإحباط!

ثانيًا، يذكر إنجيل لوقا أنهما «كَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هذِهِ الْحَوَادِثِ» (إنجيل لوقا 24: 14). وربما تحاورا بشأن الأمل الذى حطمه موتُ السيد المسيح غير المتوقع. كانا يتحاكيان بما حدث وما يحدث؛ لأنهما لا يستطيعان فعل أى شىء غير الحوار لعلهما يقدران أن يعزيا بعضهما البعض. لقد وضعا رجاءهما فى السيد المسيح، وفجأة صُلب المسيح ومات! مات بطلهما الذى عاشا لأجل قضيته! ليس هذا فقط، بل اعتقد التلميذان أن وعود السيد المسيح بأنه سيقوم ثانيةً بعد ثلاثة أيام لن تتحقق، إذ يقول أحدهما: «وَلكِنْ، مَعَ هذَا كُلِّهِ، الْيَوْمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذلِكَ» (إنجيل لوقا 24: 21). كان الموت أقوى من الرجاء فى عيونهما.

ثالثًا، وصل الأمر مع تلميذى عمواس إلى حد أن السيد المسيح بنفسه ظهر لهما ولم يستطيعا أن يرياه: «وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِى مَعَهُمَا. وَلكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ» (إنجيل لوقا 24: 15-16). كان السيد المسيح بنفسه بجوارهما، بل كان يمشى معهما وإلى جوارهما فى رحلة الرجوع هذه وهما لم يدركا ذلك! تُرى إلى أى درجة تقهرنا الظروف فيتبدد الأمل داخلنا، لدرجة أننا لا يستطيع أن نشعر بمعيَّة الله ورعايته لنا؟!

الغريب والمثير للدهشة فى مثال تلميذى عمواس، هو أنهما استمعا لرواية القيامة أكثر من مرة؛ إذ استمعا لرواية التلميذات النساء التى وردت فى (إنجيل لوقا 24: 22 – 23)، ورواية بقية التلاميذ الرجال (إنجيل لوقا 24: 24). ومع ذلك، لم يصدقا؛ فاستسلما لحالة الحزن والكآبة، وسمحا للموت أن يميت الرجاء الذى لا يموت حقًّا! لكن رغم أن تلميذى عمواس لم يدركا أن الذى يخاطبهما هو السيد المسيح، فإنه كان معهما طوال الرحلة، ولم يتركهما فريسةً للحيرة والإحباط. الله بجانبنا دائمًا، يشجِّعنا ويساندنا وقت الشدة، ومازال مستمرًّا فى تعليمنا وتشكيل قلوبنا وأذهاننا.

تظاهر السيد المسيح بأنه سيرحل ويبتعد عن التلميذين، وبأنه ذاهب فى طريق آخر لئلا يفرض نفسه عليهما. ولكن يقول إنجيل لوقا إنهما حينما طلباه أن يمكث معهما، لبى النداء فى الحال وتوجه معهما لمنزلهما (إنجيل لوقا 24: 28 – 29). لا يتأخر الله أبدًا عن نداء المحتاجين إليه، فقط يتطلب الأمر أن نرفع أعيننا ونلجأ إليه بالصلاة لنشعر بهذه الرعاية والمعونة.

استمر السيد المسيح يشرح للتلميذين كيف أن الرجاء حقيقى وأنه أقوى من الموت من خلال أسفار العهد القديم (إنجيل لوقا 24: 27). هذا هو الملجأ الأول الذى ذهب له السيد المسيح ليشرح التعليم الصحيح والحقيقى لكى لا يفقد التلاميذ رجاءهم الحقيقى. وتبقى كلمة الله هى الأساس الصلب الذى عليه يقوم الرجاء الحقيقى القادر على أن يقف فى مواجهة العواصف والصعاب.

أعلن السيد المسيح عن نفسه فى الوقت المناسب، حينما كسر الخبز مع التلاميذ. ويستخدم لوقا نفس الكلمات التى استخدمها السيد المسيح فى العشاء الأخير: «أخذ خبزًا.. بارك.. كسر.. ناول» (إنجيل لوقا 24: 30). يكتب لوقا هذه الأفعال وهو يعرف كيف أن الكنيسة المسيحية تصنع ذكرى هذا العشاء فى وقت العبادة الأسبوعى. إن الله حاضرٌ لا يغيب وسط شعبه العابد له.

نصل للحظة الذروة فى القصة حينما أعلن السيد المسيح عن شخصه وعن قيامته من الموت فى عمواس. ويذكر لوقا أنهما تركا البلدة فى الحال وعادا إلى أورشليم وهما يخبران بهذه الرسالة المفرحة: «إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ» (إنجيل لوقا 24: 34). استردَّا رجاءهما الأقوى من الموت.

أجد فى هذه القصة نموذجًا ملهمًا لنا اليوم وسط التحديات العاصفة؛ فالله بجوارنا فى كل تحديات اللحظة الراهنة، حتى وإن كنّا لا نراه، هذا هو معنى احتفالنا بالعيد. ربما، فى بعض المرات، لا نشعر برعاية الله وحضوره فى خضم الأزمة والمعاناة وقد لا نفهم مشيئته، غير أننا سندرك كل شىء إذا انفتحت عيوننا من خلال الرجاء الحقيقى المبنى على كلمة الله التى نجد فيها قوةً ودعمًا وسط اضطرابات الحياة. كلمة الله دائمًا وأبدًا قادرة على خلق فجر جديد، وأمل جديد، فقط إن وضعناها فى مركزية حياتنا وعبادتنا كل يوم.

تعلِّمنا قصة تلميذى عمواس أن الرجاء يُولد فى رحم العبادة. فيجب أن نستمر فى عبادتنا، ولا نطرح ثقتنا، خصوصًا فى أوقات الأزمة. حتى فى وسط أزمات الجائحة والظروف الحالية، علينا أن نستمر فى رجائنا وصلاتنا. ولنثق بأن الله يساندنا ويدعمنا حينما يرى إيماننا يهتز بسبب الظروف.

أدعوك عزيزى القارئ أن تتمسك بالرجاء الحقيقى لأنه أقوى من الموت، والمبنى على كلمة الله الثابتة التى لا تتغير. لأن الله إلى جوارنا، حتى إن عجزت عيوننا عن رؤيته. فالله دائمًا معنا.

* رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق